محمد أبو زهرة
3528
زهرة التفاسير
هذا حال الإنسان إذا مسه الضر فإذا كشف عنه الضر نسي ولم يفكر في حاله الذي كان عليه وضراعته إلى ربه وأنه الملجأ والملاذ ؛ نسي ذلك نسيانا تاما ، وطغت عليه وعلى تفكيره حال الصحة ونسي اللّه ونسي ضعفه ، وأنه لا يمكنه العيش دون رعاية اللّه وتدبيره ، يقول سبحانه : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ( الفاء ) عاطفة حال كشف الضر على حال الضعف والالتجاء إلى اللّه ، وهما حالان متباينان في ظاهرهما وإن كانا متوافقين في الدلالة على ضعف الإنسان ، كما قال تعالى : . . . وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ( 28 ) [ النساء ] ولكن الغرور هو الذي يوهمه بالقوة ويطغيه . فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ( الفاء ) عاطفة جملة الاستجابة على جملة الاستغاثة والضراعة ، والعطف يقتضى المغايرة ، وكانت المغايرة بين حال الإنسان في ضعفه واستكانته وحال قوته وتمكنه ، ففي الأولى ضراعة واستغاثة ، وفي الثانية غرور واستهانة . كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ ، معناها أزلنا عنه حال الضر وكأنها كانت غشاء أخفى كفره فلما زال الغشاء عادت حقيقته كما كانت . وقوله : كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ فيه ( أن ) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ، أي كان الشأن أنه لم يدع اللّه إلى ضر مسه وذلك شأن اللئام من بنى الإنسان ، ينسى الإحسان في وقت القوة وكهؤلاء اللؤماء الكافرين في نفوسهم ، كذلك قال اللّه تعالى : كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي كهذه الحال التي عليها المريض الضعيف الذي كشف اللّه تعالى عنه الضر فنسى في عافيته ما كان في مرضه ، كهذه الحال زيّن للمسرفين ما كانوا يعملون ، أي أنهم نسوا حال خلقهم وتكوينهم والإيمان بربهم وزين لهم الغرور والإسراف فيه ما كانوا يعملونه من شرور وآثام وظلم للعباد وطغيان في أنفسهم ، وإسرافهم في الشر يجترعونه اجتراعا ، وعبر اللّه عن الجاحدين المنكرين الذين لا يرجون لقاءه بالمسرفين ؛ لأنهم أسرفوا على أنفسهم فاعتقدوا الباطل واعتقدوا أن الحياة الدنيا هي الوجود كله وأسرفوا على الناس فطغوا وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد .