محمد أبو زهرة
3529
زهرة التفاسير
ويسوق اللّه العبر في آياته فلا يعتبرون ؛ لأنه قد زين لهم ما كانوا يعملون ، أي ما استمروا على عمله ؛ لأنه بالجمع بين الماضي في كانُوا ، والمستقبل في يَعْمَلُونَ . يسوق اللّه تعالى العبر ولا معتبر ؛ ولذا قال سبحانه : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) . القرن : الجيل ، والقرون : الأجيال ، وليس هلاك هذه الأجيال إهلاكها كلها وإنما الإهلاك للمكذبين منهم ، فأهلك قوم نوح وأبقى المؤمنين ولما أهلك عادا وثمودا ، أبقى المؤمنين ، وأهلك من قوم لوط المفسدين وأبقى المؤمنين وهكذا ، وفي قوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ إشارة إلى وجوب الاعتبار بهم ، كما قال سبحانه : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) [ النمل ] . لَمَّا ظَلَمُوا أي أن الهلاك كان عند ظلمهم وبسببه ، وأن ظلمهم كان سببه الشرك وإن الشرك لظلم عظيم ، حرموا ما أحل اللّه وأحلوا ما حرمه ، وكانوا طغاة كفرعون وأمثاله ، فطغوا في البلاد ، وظلموا العباد ، واستغلوا قوى الناس بغير مبرر إلا أهوائهم . ظلموا الرسل بتكذيبهم - قال تعالى : وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الواضحة الدالة على الرسالة الإلهية التي حملوها فما طغى المجرمون عن غير بينة : . . . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] ، . . . وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر ] . تكاثفت ظلماتهم وتوالى شرهم وفسدت نفوسهم حتى اسودت وما عاد للحق فيها موضع ، فبين سبحانه أنه لا إيمان لهم بعد أن أظلمت قلوبهم ، قال تعالى : وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أي ما استقام لهم ليؤمنوا ، و ( اللام ) هي التي تسمى بلام الجحود ، ولا يستقيم لهم الإيمان لاسوداد قلوبهم وطمس نورها فلا يدخلها