محمد أبو زهرة

3517

زهرة التفاسير

وفي هذه الآيات فصل نعمته على مخلوقاته وكيف هي مسخرة لهم ، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا ، جعل الشمس ذاتها ضياء ، فكتلة كلها ضوء ، ويقول بعض المفسرين : ذات ضياء ، ونحن نقول : إن الشمس ذاتها ضياء ، والقمر نور ، أي ذا نور ، وقلنا في القمر ذو نور ؛ لأن ضياءه ليس من ذاته إنما هو من توسطه بين الأرض والشمس ، ونوره عرضى وليس ذاته نورا كالشمس في أن ذاتها ضياء ، ولقد أدرك هذا بعض المفسرين الأقدمين الذين لم يعنوا بدراسة الأجرام السماوية . فقد قال البيضاوي : أنه سمى « نورا » للقمر للمبالغة ، فهو أعم من الضوء ، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور ، وقد بينه سبحانه وتعالى بذلك أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيرا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها ، وهذا ما يقرره علماء الكون ، وفي الواقع أن ضياء الشمس حقيقي ، فهي كالمصباح والنور ينبثق منه ، والقمر لا ضياء فيه وإنما نوره نسبى في انعكاس ضوء الشمس عليه ؛ ولذا كان له منازل ، وقد ينطمس على الأرض قال تعالى : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ فهو يبتدئ هلالا يكبر شيئا فشيئا حتى يصير بدرا ثم يعود يصغر شيئا فشيئا حتى يكون المحاق . ولذا قال تعالى : وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وقال بعض المفسرين : إن ما قدر منازل ليس هو القمر وحده بل الشمس والقمر ، والمعنى : قدرهما منازل ؛ فالشمس منازل كالقمر ، ولكن منازل القمر سريعة يومية ومنازل الشمس ليست كذلك ، وإن كان لها أثرها فالتقدير نسب إلى القمر ابتداء والمراد هما ، كعود الضمير على التجارة في قوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً . . . ( 11 ) [ الجمعة ] ، ونحن نرى أن المنازل للقمر ؛ لأنها الظاهرة ولأنها التي نعلم بها الأيام والأشهر والسنين القمرية ، وبعض المفسرين يقول : منازل أي ذا منازل ، ونحن نرى أنه لا حاجة إلى تقدير ( ذا ) ؛ لأن المنازل في ذات رؤية القمر يبدو صغيرا ثم يكبر وبعد أن يصير بدرا يعود صغيرا كما بدأ وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) [ يس ] ، ويبين سبحانه أن الحكمة في هذا أن تعلموا عدد السنين والحساب ، أي عدد السنين بعدد الأشهر والأيام والحساب ، وقالوا إن العدد في السنين والحساب في الأوقات ، فيعلم عدد السنين بدوران القمر وابتداء كل شهر والأيام برؤية القمر ليلا ، والعربي كان يعرف