محمد أبو زهرة
3508
زهرة التفاسير
وكان خليقا بالمشركين أن يؤمنوا إذ تحداهم وأعجزهم ، ولكن لم يدفعهم العجز إلى الإيمان بل دفعهم إلى الجحود والعناد ، ليس لحجة عندهم بل لأنه كان غريبا لم يألفوه أو يعرفوه ؛ ولذا قال تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ . والاستفهام هنا لإنكار الواقع وهو بمعنى التعجب من عجبهم ، والتوبيخ على أنهم اتخذوا إرسال رجل منهم موضعا للعجب ، فالرسول لا يمكن أن يكون إلا رجلا منهم فلا يصح أن يكون ملكا من الملائكة كما قال تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام ] . وقد كان تعجّبهم لأمور ثلاثة : أولها - أنه أوحى إلى رجل ، وما كانوا يفهمون أن الرسالات تكون لرجال منهم . ثانيها - أنه يتيم فقير ، كان يسمى يتيم أبى طالب ، وأنه ليس من الأغنياء وكانوا هم العظماء وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) [ الزخرف ] . ثالثها - أنه فوق هذا جاء للإنذار بالبعث فكان قولهم : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) [ المؤمنون ] . وفي هذا أشد العجب من أمرهم كما يقول تعالى : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ . . . ( 5 ) [ الرعد ] . هذا تعجبهم ، والإنكار التعجبى من عجبهم لتلك الحقائق الثابتة ، والإرسال لا يكون إلا لرجل كما تلونا ولقوله تعالى :