محمد أبو زهرة
3491
زهرة التفاسير
كان المنافقون في المدينة ملتوية أفكارهم كما تلتوى العيون بحول يصيبها ، فهم يرون النور ، ولكن أعينهم يزيدها لمعان النور انحرافا عن التفكير السليم ، كان المؤمنون يغزون ويجاهدون ، وهؤلاء يشتد نفاقهم وكيدهم كلما رأوا عزة للمؤمنين بعد عزة ، وتمكينا لهم في المدينة بعد تمكين ، وعلوا في أرض العرب ، وهم يعيشون في أمان ، يرجون للمؤمنين الشر والانتكاس . فيقول سبحانه : أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ( الواو ) للاستئناف وهي مقدمة في المعنى على الاستفهام ، ولكن قدمت همزة الاستفهام ، لأن الاستفهام له الصدارة ، والاستفهام للتوبيخ ، والمعنى : أيستمرون على حالهم من النفاق ، ولا يتدبرون ، وهم يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وهم لا يذكرون ، الفتنة اختبار النفوس بشدة كما يختبر الذهب ليخرج ما فيه من غش ، والمعادن لإزالة الصدأ ، وإن اللّه يختبر الناس فيما يحبون ، فيختبر سبحانه المحب للمال في ماله ، والمحب للنساء والولد فيهما ، ويختبر المؤمنين بالخوف ، ويختبر المنافقين فيما يحبون من خذلان المؤمنين ، وهو أن تخضد شوكتهم وتفل قوتهم ، ويختبرهم اللّه بذلك مرة أو مرتين كل عام ، ومرتين يقصد بها مرات ، فيعطى اللّه في الاختبار للمؤمنين نصرا مؤزرا ، اختبرهم ببدر ، فأنشئوا في أنفسهم النفاق واختبرهم في بنى قينقاع ، وقد أجلاهم الرسول عن المدينة لما حرضهم المنافقون على المؤمنين ، واختبرهم في أحد إذ أجلى بعض اليهود ، واختبرهم في الخندق بتحريضهم بني قريظة ، فأباد نصراءهم ، واختبرهم بالنصر للمسلمين في السرايا ، واختبرهم بفتح مكة ، ثم اختبرهم بالانتصار في الطائف على هوازن وثقيف ، ثم اختبرهم في تبوك ، وهكذا توالى الاختبار بالمحن تنزل بهم من فرط غيظهم من الإيمان والمؤمنين . هذا بعض ما يدل عليه قوله تعالى : أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أي مرات ، ولو كانت نفوسهم غير ملتوية وعقولهم غير منحرفة ، لكان