محمد أبو زهرة

3492

زهرة التفاسير

توالى هذا النصر رادعا ، وحاملا لهم على ترك غيهم ، ولذا قال تعالى : وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي رجاء أن يتذكروا أنهم على الباطل ، وأن في قلوبهم أمراضا عليهم أن يعالجوها ، وأن ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم هو الحق الذي لا ريب فيه ، وأن اللّه ناصره غير خاذله ، وأن العاقبة للمتقين ، فإذا تذكروا واعتبروا واتخذوا مما وقع دليلا على ما يقع فاستقاموا ، ولكنهم لم يتذكروا واستمروا في غيهم ؛ لأنهم انفصلوا بأحاسيسهم عن الناس ، فعاشوا في محيطهم المنافق ، فلم يعتبروا وإذا جاءتهم التذكرة أعرضوا عنها ، ولذا قال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) وإذا ما أنزلت سورة هادية مرشدة مبينة الحق وذاكرة أحوال المؤمنين ومن يعاديهم لم يطيقوا سماعها من النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن القلب المريض لا يطيق سماع الحق الذي يكون فيه شفاء له وللناس ، ولا يستسيغ الأخذ به ، فإذا تلا النبي صلى اللّه عليه وسلم الآية أو السورة النازلة نظر بعضهم إلى بعض نظرات لها معان عندهم ، وهي أنهم ضاقوا بها ذرعا ويريدون أن يخرجوا من المسجد تبرما بسماعها ، وبغضا فيها ، أو تنافرا عليها ، واستهزاء بها ، وبعد هذه النظرات الغامزة ، أو المنكرة للحق ينصرفون ، ولذا قال تعالى : ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ التعبير ب ( ثم ) هنا في موضعه ؛ لأنه تفاوت بعيد بين حالين ، حال الاستماع ، وهو يقتضى الإنصاف والإيمان ، وحال الانصراف عن الاستماع إلى الحق والقول الذي هو شفاء للناس . وقوله : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ جملة معترضة بمعنى الدعاء عليهم بأن يكونوا منغمرين دائما في الباطل لأنهم اختاروه وأرادوه ، واللّه لا يهدى القوم الفاسقين . ويصح أن نقول إنها بيان لانصرفوا ، أي أنهم انصرفوا لأن اللّه تعالى صرف قلوبهم عن الحق ، فصارت قلوبهم معرضة ؛ لأن نفوسهم الملتوية جعلتهم لا يقبلون على الحقائق .