محمد أبو زهرة

3478

زهرة التفاسير

وقوله تعالى : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ يفيد أن اللّه تعالى يحث المؤمن على أن يعيش في بيئة يكون فيها الصدق سائدا ، والبر مسيطرا ، فإن فساد البيئة الفكرية والخلقية يؤدى إلى عموم الفساد ، والبيئة الصالحة ، تهذب آحادها ، وتجعل الشر يختفى والخير يظهر ، وظهور الخير يدعو إليه ، وظهور الشر يحرض عليه . وقد حرض اللّه تعالى أهل المدينة بعد الأمر بالصدق على الجهاد ؛ لأن الجهاد من صدق الإيمان كما أشرنا عند الكلام في معنى الصدق ، فقال تعالى : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ . قوله تعالى : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ . . . نفى للشأن والكون ، أي ما كان من شأن أهل المدينة من مهاجرين وأنصار آووا ونصروا وهم أهل النجدة والإيواء ، ومن حولهم من الأعراب الذين أشربوا الإيمان أن يتخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويؤثروا الدعة والراحة ، ويتركوه وحده يكابد المشاق ، ويتحمل المتاعب في سبيل عزهم ورفع دينهم ، ما ساغ لهم ذلك ، وهم يرغبون في الدعة وطيب العيش الرغيد ، وقوله تعالى : عَنْ نَفْسِهِ ، أي متوقفين عن نفسه في أن يرغبوا له ما رغب فيه لهم . لقد قال الزمخشري في ذلك : أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء ، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط ، لا أن يقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه علما بأنه أعز نفس عند اللّه وأكرمها عليه ، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها ، للخوض في شدة وهول ، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت ، ولا يكترث لها أصحابها ، ولا يقيموا لها وزنا ، وتكون أخف شئ عليهم وأهونه فضلا عن أن يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ، ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه ، وهذا نهى بليغ ، مع تقبيح لأمرهم ، وتوبيخ لهم عليه ، وتهييج لمتابعته بأنفس رحيمة .