محمد أبو زهرة
3479
زهرة التفاسير
والمعنى على هذا في قوله : وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ أي لا يصونوا أنفسهم عما يرغبون فيه من عيش رغيد هين ، وظل ظليل فلم يصونوا أنفسهم عن رغباتها ، كما لم يصن نفسه عن رغباتها . ولنا أن نقول : إن عن نفسه معناها متجاوزين نفسه ، ولذا كان التعدي ب ( على ) ، و ( لا ) في قوله تعالى : وَلا يَرْغَبُوا لتأكيد النفي ب ( ما ) ، أي ما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول اللّه ، ولا كان لهم أن يرغبوا بأنفسهم ، فتكرار النفي تأكيد له . وإن هذا خبر في موضع الطلب بأبلغ معاني الطلب ، فيكون المعنى لا تتخلفوا عن رسول اللّه إذ يخرج للجهاد ، ولا ترغبوا في الدعة ، والإقامة في بحبوحة العيش ، وتتركوا الرسول يخرج للجهاد وحده وإن ذلك له جزاؤه ، ولذا قال سبحانه بعد ذلك مبينا الجزاء : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ . الإشارة في قوله تعالى : ذلِكَ إلى النهى المفهوم من قوله تعالى : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ . إن هذا النفير من أهل المدينة المأمور به ، والمنهى عن التخلف عنه ، وألا يرغبوا بأنفسهم ، كما فعل أبو ذر إذ خرج يتبع الرسول حتى حسب أن بعيره يبطئه عن الوصول إلى الرسول ، فسار على قدميه يحمل متاعه وآلة الحرب ، وكما فعل أبو خيثمة وكانت له زوجة حسناء ، قد تزوجها حديثا ، فرطبت له الأرض بالماء وفرشت له الحصير ، وقدمت له الرطب والماء فتذكر الشدة التي فيها الرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار ، فترك ذلك كله ، وركب بعيره حتى لحق برسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، كما ذكر ذلك بسبب أنهم قد أدركوا وفهموا وعد