محمد أبو زهرة
3368
زهرة التفاسير
وأولئك هم الخاسرون ، وقد تأكدت خسارتهم ، وفي الكلام قصر ، واختصاص أنهم مقصورون على الخسران ، فلا فلاح لهم في الدنيا إذ تكون حياتهم يأكلون ويمرحون ، ولا فلاح لهم في الآخرة إذ يستقبلهم العذاب المهين . وقد أشار سبحانه إلى الهلاك الذي نال من سبقوهم فقال تعالى : أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 70 ) . بعد أن ذكر أمر من سبقوهم ، وأنهم جعلوا حياتهم لاهية لا يقدرون فيها تبعات ، ويحسبون أن حياتهم أن يستمتعوا بخلاقهم ولا يقدرون لهذه الحياة ما بعدها ، والآن يذكر لهم سبحانه بعض أعيان من كان مثلهم ، ممن يسيرون في ديارهم ويرون آثارهم في أرضهم ، وعلموا بالتواتر علم اليقين أخبارهم ، فقال تعالى : أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ . الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع ، وهو يدل على تأكيد الخبر ، وهو بمعنى النفي الداخل على النفي ، والمعنى مع التوبيخ والتأكيد : لقد أتاكم نبأ من قبلكم ، النبأ : الخبر العظيم الشأن ، وهذا خبر عظيم الشأن لمن تأمل مغزاه وما يهدى إليه ، وهو نبأ قوم نوح ، وكيف كفروا ، فأغرقهم اللّه ، ولم ينج إلا قليل هم الذين اتبعوه وآمنوا به ، وما آمن إلا قليل ، وعاد وقد أهلكتهم الظلة ، وثمود ، وقد أرسل اللّه تعالى عليهم ريحا صرصرا عاتية ، والمؤتفكات ؛ وهي القرى التي بعث فيها لوط عليه السلام ، وسميت مؤتفكات ، لأنها انقلبت على أهلها ، من ائتفك أي انقلب ، وقيل هي في سدوم ، وقد قال في انقلابها بعد أن أمر لوط وأهله إلا امرأته أن يسرى بقطع من الليل ، ولا يلتفت منهم أحد : فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ( 82 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ( 83 ) [ هود ] .