محمد أبو زهرة
3466
زهرة التفاسير
وطريق الوصول إلى المكان المنشود ، ومحاربة قوم غلاظ شداد هم الذين كانت لهم السطوة . وقد أشارت الآيات السابقة إلى أن المهاجرين والأنصار كانوا السابقين ، وإلى أن الذين تخلفوا ، قال سبحانه فيهم ما كان عتبا قاسيا ، فيه عقاب لنفوسهم المؤمنة ، وبين فيما مضى المخلفين نفاقا وضعفا في الإيمان . يقول تعالى : لقد تاب اللّه تعالى على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم من أخطائه التي وقع فيها كإذنه للذين استأذنوه من المنافقين ، وهو يعلم كذبهم ، وكذلك اجتهاده في أمر الأسرى فأخذ فداء الأسرى قبل أن يثخن ، ونحو ذلك مما يتعلق بالحروب ، والمعاهدات التي تعهد فيها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ويبين اللّه تعالى أنه أخطأ في اجتهاده ، وما كان اجتهاده وتخطئة اللّه تعالى إلا ليعلم الذين يجيئون من بعده أن الذين يجتهدون بعقولهم يخطئون ، وهذا سيد البشر ، إذا اجتهد فقد يخطئ ، فإن الحاكم أيا كان عرضة للخطإ وليس له أن يستبد بفكره ، ويقول مقالة فرعون ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد . ولقد تعلق الجهلاء من النصارى ، ولو كانوا في مناصب عالية عندهم ، وادعوا أنهم من فلاسفة هذا الزمان ، أن عيسى عليه السلام أفضل من محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لأنه لم ينسب إليه ذنب يغفر ، ومحمد عليه الصلاة والسلام غفر له كما قال تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ . . . ( 2 ) [ الفتح ] ، وقال تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ فنقول إن ذلك جهل فاحش ، أو هوى فاسد ، أو هما معا . أولا - لأن التوبة مقام من مقامات العبودية ، والخضوع للذات الألوهية ، ولذا وصف الأتقياء بأنهم التوابون ؛ لأن التوبة تنبعث من إحساس بعلو المقام الإلهى ، وتفتيش النفس ، والبعد عن الغرور ، والشعور بالتقصير نحو الذات