محمد أبو زهرة
3367
زهرة التفاسير
الآخرة ، ولا يريدونها ، والفاء في قوله تعالى : فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها ، ترتب محاكاة واتباع ، فطلبتم ما طلبوا ، وحاكيتموهم فيما فعلوا ، ولذا قال : كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ثم قال تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا قلنا : إن الخوض معناه دخول الماء ، واختفاء الأرجل والسير فيه ، وأطلق على الخوض في الباطل والإثم ، وفيه مجاز ، من حيث تشبيه الخوض في الباطل بالخوض في الماء من غير تعرف لما فيه ، وقد يكون فيه صخور ، أو أشياء تجرح وتضر . وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أي خضتم في الباطل كالذي خاضوا فيه . والمعنى تشابهت أحوالكم مع أحوال من سبقوكم فاستمتعتم بحياة لاهية رخيصة ، من غير نظر إلى عاقبة أموركم وأمورهم وحسبتم أن خلاقكم في الدنيا هو الحظ الأوفر ، فلم تفكروا في الآخرة ، ولم تعملوا على صلاح أموركم فيها ، بل إنكم أنتم وهم حسبتم أن حياتكم هي الدنيا ، وظننتم أنكم خلقتم عبثا من غير غاية ، وأنه ليس هناك يوم تجازون فيه ، وإن الصيغة الكريمة تومئ إلى أن قصر الحياة على حظوظ الدنيا استهانة بأنفسهم ، وقد قال الزمخشري في بيان السبب في تكرار التشبيه لحالهم بحال من سبقوهم من الفجرة الآثمين العاتين ، وفائدته أن يذم الأولين بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائهم بشهواتها الفانية عن النظر في العاقبة ، وطلب الصلاح في الآخرة ، وأن يصغر أمر الاستمتاع بها ، ويهين أمر الراضي بها ، ثم يشبه حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله ، فتقول : أنت مثل فرعون ؛ كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف ، وأنت تفعل مثل فعله . فهو سبحانه وتعالى يشير إلى سوء حال من سبقوهم ، ويبين أنهم مثلهم . ثم قال تعالى : أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ الإشارة إلى أوصافهم من أنهم حسبوا الحياة لهوا ولعبا ، فاستمتعوا بحظهم فيها ، واستمتعتم أنتم مثلهم ، هذا سبب أن حبطت أعمالكم ، أي بطلت ؛ لأنها تحمل في نفسها أسباب فسادها ،