محمد أبو زهرة

3465

زهرة التفاسير

الرعب ، وكان المنافقون بينهم يبثون ذلك الخوف ، ويلقون في النفوس الذعر ونالهم الخوف والجوع ونقص الثمرات ؛ إذ تركوها في المدينة وقد نضجت فلم يحصدوها ، وكان الجوع والعطش وهم سائرون في شقة بعيدة ، جاء في تفسير الحافظ ابن كثير في تصوير المشقة في هذه الغزوة التي أرهبت الرومان وكانت إرهاصا بفتح الشام ، فروى عن قتادة أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم خرج بالمؤمنين في لهبان الحر وأصابهم فيها جهد شديد ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما . . . . وروى عن ابن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة فقال عمر بن الخطاب في وصف ما نالهم : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد ، فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من شدة العطش ، وحتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره ، ليعصر فرثه ، فيشربه ، ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه إن اللّه عزّ وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا فقال صلى اللّه عليه وسلم : « تحب ذلك ! » قال : نعم ، فرفع يديه ، فلم يرجعها حتى سالت السماء وأهطلت ، ثم سكنت فملئوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر ، فلم نجدها جاوزت العسكر « 1 » ، هذا ما جاء في ابن كثير ، وجاء في غيره أن الرواحل لم تكن موفورة ، بل كان العشر يعتقبون على راحلة واحدة أو بعير وإن لم يكن راحلة . هذه هي المشقة أو إشارة إليها وذكرها القرآن ليبين كما ذكرنا من قبل ، كيف يكون الجهاد ، وكيف يكون طلب العزة ، ورفع الذلة ، وكيف يكون الاطمئنان والقوة ، وكيف يكون جسر التعب الذي لا بد لنيل الحياة العزيزة الكريمة من المرور عليه . يقول تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ساعة العسرة أي وقت الشدة في الجهد ، والمال ، والحر الشديد ،

--> ( 1 ) البداية والنهاية : ج 6 ، ص 231 .