محمد أبو زهرة
3366
زهرة التفاسير
بين اللّه تعالى في الآية السابقة العقاب الشديد الذي يستقبل الكافرين ، وخص المنافقين بالذكر ؛ لأنهم كفار أخساء لؤماء ، مفسدون ، ثم بين سبحانه وتعالى أن ذلك العذاب قريب وليس ببعيد ، وأنه أصاب الذين من قبلكم ، فقال مقربا لعذابهم ممثلا له بعذاب من سبقوهم ، فقال : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الذين سبقوكم بالكفر والطغيان ، والخطاب للكفار والمنافقين ، وإن ذكرهم وقد فنوا يومئ إلى أنهم سيكونون مثلهم في فناء ، وأن الحياة الدنيا التي آثروا متعها فانية ، وقوى ذلك المعنى المشار إليه بقوله تعالت كلماته : كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً كانوا في قوة غزت الأقاليم وفتحت البلاد ودانت لهم رقاب العباد ، وسيطروا على الأرض ، كان عدد الملأ من قوم فرعون كثيرا ، والأموال من الزرع والثمار والسائمة ، تجرى في أيديهم ، فأنى يكون عددكم بجوار عددهم ، وأموالكم وأنتم بواد غير ذي زرع بجوار أموالهم ، ومع ذلك حسبوا الحياة كل شئ ففنوا مع فناء حياتهم الدنيوية . قوله تعالى : فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي بنصيبهم الذي خلقه اللّه تعالى لهم ، استمتعوا بهذا النصيب ، وحسبوه الحياة ، ولا حياة بعدها ، وتحكموا واستكبروا ، وقال الطاغوت الأكبر فرعون - ومن شابهه - : . . . أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي . . . ( 51 ) [ الزخرف ] وسرتم سيرهم ، فحسبتم أن الدنيا هي الحياة ، ولا حياة بعدها . ولذا قال تعالى : فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ . استمتع معناها طلب المتعة ، ونالها ، فالأقدمون استمتعوا بما أوتوا من حظوظ الدنيا ، وجعلوها متعتهم ، وقصروا متع حياتهم عليها لا يطلبون غيرها من متع