محمد أبو زهرة

2879

زهرة التفاسير

مجرميها كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم . كانت إجابتهم إصرارا على غيهم ، واستمساكا بما هم عليه ، وعدوا غيره ضلالا وسفها : إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، أي إنا نراك في بعد عن الهداية ، والحق واضح . وقد أكدوا ذلك ب « إنا » ، وبأنهم يرونه كذلك ، وإنه يستفاد من هذا أمران : أولهما - أنهم يردون قوله ، ولا يقبلونه ويعصونه ، وأنهم يرون أن صاحبه في ضلال واضح لا هداية معه ، وأنهم بهذه الحال لا يمكن أن يجيبوه بل أن يفكروا في إجابته . وثانيهما - أنه يلاحظ أن ذلك من كبرائهم ، كما ذكرنا ، أما ضعفاؤهم فإنه لم تعرف لهم إجابة ، لأنهم مغمورون غير مذكورين ، كما كان الأمر من بعد ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذ مكث وقت الدعوة المحمدية في مكة ، ما كان يتردد في جنباتها إلا صوت أبى جهل وأبى لهب ، والوليد بن المغيرة ، ولا يتردد صوت عمار ، وبلال وأبى بكر ، وإن نوحا النبي الأمين ، منهى عنهم ولا يرد عليهم ، بل يقول في أناة المؤمن : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول مبتدئا القوم بندائهم ، بما يقربهم ويدنيهم لا بما يبعدهم ، وينبئهم ، يناديهم يا قومي يا من أنا منكم وقطعة من جمعكم يضيرنى ما يضيركم ، ويؤلمني ما يؤلمكم ثم يقول نافيا لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ أي ليس بي حال أضلتنى عن الحق ، وكأنهم قصدوا من الضلالة أنه مسحور قد ضل عقله وغاب ، فهو يقول ما بي ضلال ، بل أنا برشدى الكامل وأنا فوق ذلك هاد مرشد متحدث عن اللّه تعالى ؛ ولذا أردف نفى الضلالة بقوله : وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ والاستدراك من نفى الضلالة إلى مرتبة عالية ، وذكر أنه رسول ، قد أرسله اللّه تعالى رحمة بهم ، وإنقاذا لهم من ضلالهم ، وأضاف الرسالة إلى اللّه تعالى معبرا بقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ ، أي الذي ربى الناس وكونهم ، وهو القائم عليهم ، والمصرف لأمورهم ، وللوجود كله سبحانه وتعالى . وإنه لهذا ما أرسل الرسالة إلا رحمة بكم ، وهداية وتوجيها إلى الصراط المستقيم .