محمد أبو زهرة

2880

زهرة التفاسير

ثم بين الرسول الأمين واجبه وهو التبليغ والنصيحة ، والدعوة إلى الهداية فقال اللّه تعالى عنه : أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وعبر عنها بصيغة الجمع للدلالة على أنها متعددة النواحي ، فهي للتوحيد ، وهو رأسها ، وعمادها . وإصلاح الجماعة ، ونشر الفضيلة ، وتكوين الأسرة ، وتنظيم المعاملات الإنسانية على أساس العدل ومنع البغى ولتعميم الإحسان ، وإصلاح الأرض ومنع الفساد . ولقد قال بعض العلماء : ما كانت بعثة نوح لقومه فقط ، بل لجيله ومن يتبعه إلى أن يجئ من ينسخ شريعته ، وأضاف الرسالات إلى ربه - سبحانه وتعالى - لأنه منزلها ، ولأنه القائم على الوجود ، والمربى له ، والعالم بكل ما يصلحه ، وذكر أمرين يقوم بهما بعد تبليغ رسالات ربه ، وإعلانها لهم : أولهما - أنه ينصح لهم ، بمحض الحق مخلصا لهم ، لا يأتي إلا بما فيه نفعهم ، والخير العميم لهم ، والنصيحة والنصح إخلاص النية من الغرض وقصد الفساد ، نصحته ونصحت له ، أي أخلصتها له . ثانيهما - الإشارة إلى أنه عنده علم من اللّه لا يعلمونه ؛ لأنه يخاطبه اللّه تعالى وحيا أو برسول من الملائكة أرسله إليه ؛ ولذا قال في تأكيد نصحه ، وبيان صدقه ، وأنه هاد مرشد : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فاقبلوا نصحى وإرشادي ، فإنه ليس منى ، ولكن من اللّه ربكم ورب العالمين . ولقد أدرك أنه يجوز أن يكونوا في استغراب ، وهو يريد هدايتهم ، فيريد أن يزيل غرابتهم ، فقال متقربا متحببا مخاطبا وجدانهم مزيلا استغرابهم : أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) .