محمد أبو زهرة
2860
زهرة التفاسير
وكذبناها . ويقرون الآن بالحق الذي أنكروه فينصّون على أن الرسل جاءوا بالحق ، أي الأمر الثابت الذي لا يرد ولا ينكر ، وأحسوا بغفلتهم عنه في الدنيا وأن العذاب واقع بهم لا محالة ، فيتجهون إلى طلب الشفعاء ، فيقولون : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا . « الفاء » هنا لتفصل ما اعترى نفوسهم في هذا الهول ، ومع أن اللّه قد قال في كتابه عن هذا اليوم لا يقبل فيها شفاعة ولا عدل ، مع ذلك طلبوا الشفعاء ، أو رجوا أن تكون ثمة شفاعة ، فقالوا : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ، و « من » هنا لاستغراق الطلب ، والمعنى هل يوجد لنا من شفعاء أي شفعاء كانوا ، سواء أكانوا أولياء أم كانوا أعداء ولو شامتين ، ولكنها أمنية لا تتحقق ؛ ولا يمكن أن تتحقق ؛ لأن اللّه تعالى نفى ذلك في الدنيا ، وهو لا يخلف موعده . ولأنهم يئسوا من أن يكون لهم شفعاء قالوا أمرا آخر وهو أن يردوا إلى الدنيا ، فيعملوا غير الذي عملوا فيقولون : أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ . ولكنهم إذا عادوا إلى الدنيا سيطرت أهواؤها وغرتهم بغرورها فكانوا كما هم ، ولقد قال اللّه تعالى في آية أخرى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) [ الأنعام ] . ولقد ختم اللّه تعالى الآية بتسجيل الخسارة عليهم ، وتخلى أوليائهم عنهم فقال عزّ من قائل : قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . أكد اللّه تعالى خسارتهم بقيد ، فقد خسروا في ذات أنفسهم إذ ضلوا ، والضلال خسارة للنفس ، وخسروا أنفسهم فأوقعوها في الهلاك الذي يكون يوم تأويله ، وخسروا الحق فكانوا من المبطلين ، وخسروا أيضا أولياء لهم يناصرونهم ، ولذا قال تعالى : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي غابوا غيبة منقطعة لا يعرفون أين هم ، وهم الأوثان التي كانوا يفترونها ، فخسروا خسرانا مبينا ، وعبر - سبحانه