محمد أبو زهرة

2846

زهرة التفاسير

الوصف الثاني - وَيَبْغُونَها عِوَجاً ، وعوج : مصدر موصوف به ، ويبغون يطلبون بشدة كأنها أمر هو بغيتهم التي يبتغونها ، والمعنى يريدون الصراط المستقيم معوجة متعرجة سبلا للباطل . إن الفطرة تتجه نحو الاستقامة ، فلا تطلب إلا المستقيم الذي لا عوج فيه فهم يريدون تحويل فطرتهم وفطرة غيرهم عن طريقها ، ويعبدون الأوثان ، ويعلمون أنها لا تضر ولا تنفع ، ولكنهم يعوجون بها فيقولون . . . ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . . . ( 3 ) [ الزمر ] ، وهكذا يتركون كل مستقيم ، ويريدون كل معوج ، وذلك لسيطرة الأوهام عليهم ، وتسلط الأهواء والشهوات ، والعصبية والغطرسة والعنجهية الجاهلية فيهم . الوصف الثالث - وهو الذي ذهب بهم في متاهات الضلال وقد ذكره الله - سبحانه وتعالى - بقوله : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ أي أنهم لا يؤمنون بالبعث والنشور والحساب والعقاب ، أو الثواب ويقولون : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) [ المؤمنون ] . وقد أكد - سبحانه وتعالى - كفرهم باليوم الآخر ، وهو يبتدئ من البعث إلى أن توفى كل نفس ما كسبت بأن تنال جزاءها من النعيم أو الجحيم . أكد كفرهم بعدة مؤكدات أولها - ذكر ضمير الفصل « هم » ، فذلك يؤكد الحكم ، وثانيها - تقديم الجار والمجرور ، وهو قوله تعالى : بِالْآخِرَةِ على كافِرُونَ ففي ذلك تأكيد لكفرهم به ، وثالثها - التعبير بالجملة الاسمية ، فإنها تدل على استمرارهم على هذا الكفر ، وأنهم جاحدون جحدا ( لا مثنوية فيه ) « 1 » .

--> ( 1 ) لا مثنوية فيه ، ولا استثناء بمعنى واحد ، أي لا تحلل منه ، من المثنوية في اليمين .