محمد أبو زهرة
2836
زهرة التفاسير
و « الفاء » في قوله تعالى : فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ تفصح عن شرط مقدر تقديره مثلا ، فإذا كنتم قد ضللتم مثلنا ، فما لكم علينا أي فضل يخفف لكم أو يزيد علينا . ثم يسوق - سبحانه وتعالى - على لسان أولئك المتنابزين قولهم : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ « الفاء » لعطف ما بعدها على ما قبلها ، وقوله تعالى : فَذُوقُوا الْعَذابَ ، أي ادخلوا في النار ذائقين لها محسين بآلامها ، وعبر عن ذلك بالذوق ، للإشارة إلى شدة آلامه ، ومتاعبه . وقوله تعالى : بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ، أي بسبب ما كنتم تكسبون من ظلم وعبث وفساد ، فهذا هو الأصل في سبب العقاب ، وكل امرئ بما كسب رهين ، لا فرق في ذلك بين ضال ، ومضل ، ما دام قد وقع كلانا في الضلال مختارا ، ما دام له عقل يدرك وما دام قد أنذرته الرسل ، وقامت بين يديه البينات ، فإذا كان قد اتبع من قبله فعليه إثمه ، وقد جاءه الهادي الرشيد ، فلم يتبعه . وقريب من هذه المراجعة بين التابع والمتبوع قوله تعالى في سورة أخرى : . . . وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ( 31 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ( 32 ) [ سبأ ] . وقد وصف اللّه تعالى في بيان أن العذاب بالكافرين لا مناص منه ، فقال تعالت كلماته : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 ) . السماء في الحس المكان الذي يجئ منه المطر ، والخير والبركات ، ولقد جعل اللّه تعالى السماء موطنا لذلك ، قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . . ( 96 ) وعندما يدعو الإنسان اللّه تعالى يتجه