محمد أبو زهرة

2811

زهرة التفاسير

فأنزل الله تعالى : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وقد قال الحافظ ابن كثير في ذلك : وكانت العرب ما عدا قريشا ، لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها ، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه تعالى فيها ، وكانت قريش ، وهم الحمس ( جمع أحمس ) يطوفون في ثيابهم ، ومن أعاره أحمسى ثوبا طاف فيه ، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه لئلا يتملكه أحد ، ومن لم يجد ثوبا جديدا ، ولا أعاره أحمسى ثوبا طاف عريانا ، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا يستره بعض الستر فتقول : اليوم يبدون بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله « وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل ، وكان هذا شيئا ابتدعوه من تلقاء أنفسهم » . وإن هذا الكلام يدل على أمرين خطيرين : أولهما - أن ذلك كان يحدث من العرب مخالفا كل عرف ، ومخالفا لكل تفكير سليم فما كان ليرضى أحدا مثل هذا ، وهو أشد أحوال الفحش في الأفعال ! ثانيهما - ما يزعمون من أنهم لا يطوفون بثياب ارتكبت فيها معاص لهم . وكأن قريشا لا معاصي لهم ، مع أن بعضهم ما كان يتحاشى المفاخرة بالمعاصي ، فقد كان منهم من هو رجس في رجس . وإذا كان منهم من كان يمتنع من التدلي فيما يخدش مروءته كعبد المطلب ، وأبى طالب ، والعباس ، فقد كان منهم أيضا من لا يمتنعون عن بعض المعاصي ، كالربا ونحوه . وإنهم إذ يفعلون هذه الفاحشة يبررونها بأمرين : أولهما - أمر يتفق مع العقل الجاهلي ، وهو أنهم يقولون : وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا ، ولو كانت فحشا ، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون .