محمد أبو زهرة

2812

زهرة التفاسير

الأمر الثاني - أنهم يفترون على اللّه ، ويقولون : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها ويتأولون ذلك بأنه ما دام لم ينهانا عنها فقد أمرنا بها . وهذا تفكير جاهلي ، يقولون أمر اللّه بالشرك وبتحريم بعض الذبائح ، وتحريم بعض ما تخرجه الأرض ، ويقولون : . . . لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ . . . ( 148 ) [ الأنعام ] وهذا ما يبرر به المعاصي بعض الجاهلين في هذا الزمان ، وقد رد اللّه كلامهم بقوله تعالى : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . أمر اللّه تعالى نبيه بأن يواجههم بافترائهم على اللّه تعالى ، ببيان أنه يستحيل على اللّه ما يفترون عليه ؛ لأن اللّه تعالى له الكمال المطلق ، ومن له الكمال المطلق لا يأمر بالفحشاء ؛ لأنه لا يصدر عنه إلا ما هو كمال في ذاته ، ولا يتنافى مع عقل عاقل ويرضاه ذو ذوق سليم . وقال تعالى : لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ولم يقل « ما أمر بذلك » ، أو ما أمر بالفحشاء ، بل قال نافيا الأمر بالفعل المضارع : لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ فلا يمكن أن يأمر بذلك لا في الماضي ولا في المستقبل ، وليس من شأنه تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، وكان النفي بالمضارع ؛ لأنه نفى لشأن اللّه ثم قال تعالى ، كما أمر نبيه أن يستنكر قولهم : أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ! الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع ، أي لتوبيخهم على ما وقع منهم ؛ لأنهم فعلا افتروا على اللّه افتراء ، فقالوا ما لا يعلمون صدقه ، ولم يصل إليهم عن اللّه تعالى أمره فيه وحكمه . وإن ذلك فوق أنه توبيخ لهم ، واستنكار لفعلهم - فيه توجيه لهم لئلا يتكلموا إلا بعلم ، وأن الشيطان لينفذ إلى ما يحكمون به بأوهامهم وأهوائهم . وتقديم قوله تعالى : عَلَى اللَّهِ لبيان وجه الاستنكار الشديد ، وهو أنهم يقولون على اللّه جل جلاله ، فكان قولهم هذا أشد الافتراء . ثم بيّن سبحانه فقال بعد أن نفى أنه يأمر بالفحشاء : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) .