محمد أبو زهرة
2810
زهرة التفاسير
إنه إذا كانت التقوى قوية ، تكون إرادتها للحق ، وعزيمتها في الخير عزيمة صادقة ، لا يقوى الشيطان على قهرها ، أما النفوس المضطربة بالباطل التي فسدت فطرتها ، فإن الشيطان يجد السبيل لبث شروره وإغرائه وفتنته وخديعته فيها ؛ فإنها لفساد فطرتها واضطراب فكرهم - تجد فيها الشياطين داعيتهم ، وهذا معنى جعلهم أولياء للشياطين ، فمعنى قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ . أي أنهم لإفساد فطرتهم المستقيمة وجعلها معوجة ، والاعوجاج دائما ، يفتح ثغرات لهذا الشر ، وتلك الوسوسة التي بها يكون الشياطين أولياءهم ، وإنما جعل اللّه تعالى الولاية ليست في النفوس الإنسانية ، وإنما جعلها للشياطين أنفسهم ، فقال سبحانه : إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ؛ لأن الشياطين يفعلون والنفوس الإنسانية تتقبل ، واعوجاجها يسهل دخول الشر فيها ، والولي هنا هو الموالى والنصير المتصل ، فالله - سبحانه - جعل الشياطين موالى وأحباء وأصدقاء للذين لا يؤمنون ، الذين ليست قلوبهم مؤمنة مذعنة للحق ؛ ولذا ذكر الفعل المضارع بقوله : لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، أي لمن ليس من شأنهم الإيمان والإذعان للحق ، فالكافرون أولياؤهم الشياطين والطاغوت . وإن من إغواء الشياطين لبنى آدم ، أن ينسبوا أفعالهم إلى الله ، وإلى أتباع آبائهم ؛ ولذا قال تعالى : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها . أشرنا إلى ما كان يفعله المشركون في الحج ، وما كانوا في هذا إلا متبعين لما كان عليه آباؤهم ، وفي هذا يتبين ما جاء عن مفسري التابعين في هذا الموضوع . الفاحشة : الأمر الزائد عما تقبله العقول المستقيمة ، والاحتشام الإنسانى والحياء الخلقي ، ولا شك أنهم بطوافهم عراة ، يرتكبون أفحش الأعمال الخارجة عن حدود العقل ، والاتزان ، والحياء الفطري . ولقد روى مجاهد في ذلك ، أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ، فكانوا يقولون : نطوف كما ولدتنا أمهاتنا ، وكانت المرأة تضع على قبلها شيئا تستره به ،