محمد أبو زهرة

1764

زهرة التفاسير

الذي يحوطهم ويكلؤهم ، وأنه وحده الذي يملك أمرهم : أخرجنا من هذه المدينة الكبيرة ، وهي مكة ، التي يظلمنا أهلها ، والظلم شأن من شؤونهم ، ويضرعون إليه سبحانه أن يجعل لهم وليا ينتمون إليه ، وولاية قوية يشعرون تحت سلطانها بالعزة والكرامة ، ويبتعدون عن ولاية الكافرين الظالمة العاتية الباغية ، وأن يجعل لهم من ينصرهم ، ويخرجهم من نير أهل الكفر ، فهاهنا ثلاثة مطالب متلاحقة لهم توجهوا بها إلى ربهم : أولها : الإخراج من نير الظلم ، وحكم الظالمين . وثانيها : أن يكونوا تابعين لولاية دولة الله ، وهي الدولة الإسلامية ، فلا يخرجون مشردين لا دولة تحميهم ، ولا ديار تؤويهم . وثالثها : أن يكون لهم من الله نصير دائم ينصرهم ، فلا يتمكن الأعداء منهم . وهنا بحوث بلاغية : أولها - أن المراد من القرية مكة ، وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون ، ولم توصف هي بأنها ظالمة ، كما وصف غيرها من القرى مثل قوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ( 58 ) [ القصص ] وذلك تكريم لمكة ، إذ هي حرم الله الآمن ، ولم يمكن أن يوصف حرم الله الآمن بالظلم ، ولو على سبيل المجاز والتقدير . وقد قال ناصر الدين السكندرى في كتابه « الانتصاف » في هذه الآية ما نصه : ( ووقفت على نكتة في هذه الآية حسنة ، وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز ، فالظلم إليها ينسب بطريق المجاز ، كقوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ( 112 ) [ النحل ] إلى قوله تعالى : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ، وقوله تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ( 58 ) [ القصص ] ، وأما هذه القرية في سورة النساء ، فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة ، لأن المراد بها مكة ، فوقرت عن نسبة الظلم إليها ، تشريفا لها ، شرفها الله تعالى ) .