محمد أبو زهرة
1765
زهرة التفاسير
ثانيها - أن النص يفيد أنهم يحسون بأن النصرة لا تكون إلا من الله ، وأن الولاية لا تكون إلا منه فهم بذلك معتزون مطمئنون ، ولو كانوا مستضعفين لا حول لهم ولا طول ؛ لأن من التجأ إلى الله تعالى عزيز ، ولو كان في أرض الذل . ثالثها - في التعبير لَدُنْكَ وهي بمعنى ( عند ) ، ولا تكاد تستعمل في القرآن إلا مضافة إلى لفظ الجلالة ، وعلى أي حال هي تفترق عن عند بأن ( عند ) تستعمل للعلو ، والانخفاض في العندية ، كما تستعمل في التساوي ، فيقال فلان عند فلان إذا كانا متساويين في الرتبة أو أحدهما دون الآخر ، أما ( لدنك ) فإنها لا تستعمل إلا إذا كان المضاف إليه عاليا ، والمضاف دونه ، فهذا التعبير يشير إلى أن أولئك الضعفاء قد لجئوا إلى الجانب الأعلى الذي لا يدانيه علو في الأرض ولا في السماء ، وإذا كانوا قد لجئوا إلى الله ، فإن الله ناصرهم . الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ سبيل الله تعالى هي سبيل الحق الثابت الذي لا يكون فيه العدل ، ولا يكون بغى ولا فحشاء ولا أذى ، وفيه قيام المصالح ودفع المفاسد . والطاغوت هو فعلوت من طغى ، وهو مجاوزة الحد ، والبغى الشديد ، وترك الخير ، وفعل الشر ، والسعي في الأرض بالفساد . وهنا مقابلة بين قتال أهل الإيمان ، وقتال أهل الكفر - بالغاية منهما - فغاية المؤمنين نصرة الحق ودفع الفساد ، وغاية الكافرين نشر الظلم والفساد في الأرض ، ولو ترك الظالمون من غير أن يقاومهم أهل الحق ، لعم الفساد ، وذهب الخير ، وهدم الحق ، كما قال سبحانه : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) [ البقرة ] . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) [ الحج ] .