محمد أبو زهرة

1745

زهرة التفاسير

ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ الحرج الضيق والتململ من الحكم أو الشك في صحته ، والمعنى : أن من مظاهر الإيمان أن يقبلوا التحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ، وإذا صدر الحكم لا يشكون في صحته ، ولا يضيقون ويتبرمون به ، بل يتقبلونه بقبول حسن ؛ لأن قبول الأحكام على أنها من عند الله ينهى الخصومات ، ويلقى بالسلام بعدها ؛ لأنهم تحاكموا إلى ذي الجلال والإكرام . وقد تكلم العلماء في العطف ب « ثم » بدل الفاء أو الواو ، فقال إن « ثم » تدل على التراخي ، وكأن الله يغفر لهم الإثم الذي يصيبهم عند صدمة الحكم لهم بالنطق به ، ولكن عليهم أن يروضوا أنفسهم على القبول والإذعان ، من غير ضيق ولا تململ ، لكي يكون الحكم حاسما للخلاف قاطعا للنزاع . وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً هذا هو الوصف الثالث لأهل الإيمان بالنسبة لأحكام الشرع الشريف . والتسليم معناه الانقياد والإذعان التام في المظهر والحس . وإذا كان الوصف الثاني لبيان الخضوع النفسي ، فهذا الوصف الثالث لبيان الخضوع الحسى الظاهر . وقد أكد سبحانه وتعالى التسليم بالمصدر فقال « تَسْلِيماً » للإشارة إلى وجوب الإذعان المطلق من غير أن يثيروا أي شبهة حول الحكم ، ولا أن يماروا فيه مراء ظاهرا ، فإن المراء قد يثير نزاعا جديدا ، والقضاء يجب أن يكون حاسما قاطعا . وأصل التسليم هو تقديم النفس ، وجعلها خالصة لمن يسلم إليه . يقال : سلم لأمر الله وأسلم له . إذا جعل نفسه خالصة لله تعالى ، ثم أطلق التسليم على الانقياد الظاهري ، وعدم المماراة فيما يقرره الشرع من حقوق وواجبات . ويجب التنبيه إلى أن التحاكم إلى النبي بعد وفاته هو التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيجب أن يعلم كل من يسمى نفسه مسلما أن الله تعالى يقرر أنه لا يؤمن من لا يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، ثم لا يجد ضيقا في حكم الشرع ، بل يرضى به ، وينقاد له انقيادا ظاهرا وباطنا . وإذا كان ذلك ما يقره الشرع ، فليعلم المسلمون اليوم مكانهم من الإيمان ، وقد ارتضوا حكم القوانين