محمد أبو زهرة

1744

زهرة التفاسير

تتشابك فيها عناصر الحق والباطل ، ويلتبس بعضها ببعض ، ولا يعرف الحق الصريح الواضح من بينها ، ويميزه الحاكم العادل الفاحص ، الذي ينظر إلى الأمور بعمق ، وتدبر ، وقوة فراسة ، وعزمة على الحق ، وطلبه بإخلاص لا هوى . فَلا وَرَبِّكَ أيها النبي الكريم ، لا يؤمنون ، ولا يعدون في عداد المؤمنين ، حتى يحكموك فيما يكون بينهم من خلاف ، فإن من أول مظاهر الإيمان والإذعان للحق الرضا بتحكيم الشرع في الخلاف . أولها : ( الفاء ) في قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ ونقول إنها فاء الإفصاح ، لأنها تفصح عن شرط مقدر ، ومعنى الكلام : إذا كانت طاعة الرسول واجبة بحكم أنه رسول من عند الله ، فإنهم لا يؤمنون برسالته حتى يرتضوا التحاكم إليه . ثانيها : ( لا ) في قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ قال الزمخشري إنها زائدة لتقوية الكلام ، فيكون النص كقوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) [ الحجر ] وقد قال الطبري إن « لا » ليست زائدة ، وإنما هي رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم الشرع ، وقد قال في ذلك : « قوله ( فلا ) رد على ما تقدم ذكره ، تقديره : فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ثم استأنف القسم بقوله وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . ثالثها : أن الله سبحانه وتعالى أقسم بذاته العلية ، ولكنه أضاف الربوبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : وَرَبِّكَ يا أيها النبي ، تكريما لذات النبي صلى الله عليه وسلم ، وإعلاء لشأنه ، وجواب القسم هو قوله تعالى : لا يُؤْمِنُونَ . ومن هذا النص السامي يتبين أن أول مظهر من مظاهر الإيمان الرضا بحكم الشرع ، ولكن الرضا وحده ليس كافيا بل لا بد من أمرين آخرين ، وهما أن يكون الرضا عن طيب نفس من غير حرج ولا ضيق ، وثانيهما التسليم والخضوع لحكم الشرع . وقد قال سبحانه وتعالى في ذلك :