محمد أبو زهرة

1736

زهرة التفاسير

ينفرون من العدل والحق نفورهم من الإيمان الصريح الذي لا دخل فيه « 1 » ، ومن الطريق المستقيم الخالي من العوج . إحداهما - التعبير بقوله تعالى : إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ فإن هذا يبين لهم أنهم يتركون الحكم المنزل من السماء من عند الله إلى حكم الأرض وأهواء أهلها ، ويبين لهم أن الرجوع في الحكم إلى الرسول هو رجوع إلى حكم الله الذي ينطق به رسوله الأمين ، وأن امتناعهم عن ذلك إنكار للرسالات الإلهية مع أنهم من أهل الكتاب ، الذين يعتزون على العرب بأنهم يؤمنون بشرائع السماء وغيرهم أميون ! ! ثم يبين ذلك أن الخضوع لحكم الرسول خضوع لحكم الله تعالى وما أنزله الله ، فالمعترض على حكم الرسول معترض على الله سبحانه وتعالى . الثانية - في قوله تعالى : رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فإنه يشير إلى أن الذين يعرضون عن حكم الله تعالى وينفرون منه هم المنافقون الذين يسرون ما لا يظهرون ويخفون ما لا يبدون ، فالإعراض عن حكم الله تعالى سمة من سمات النفاق أو بالأحرى أوضحها وأبينها . والنص يشير مع هذا إلى أن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فريقان : فريق ضعيف الإيمان ، وفريق منافق ، وأن المنافقين من بينهم شديد والنفرة والإعراض . اللهم إلا أن يقال إن ذلك إظهار في موضع الإضمار ، أي أن الذين يزعمون أنهم آمنوا بالله وبالرسول ، الذين يرتضون حكم الطاغوت هم منافقون ، وهم بسبب نفاقهم يعرضون عن حكم الله إعراضا شديدا ، فهم طائفة واحدة !

--> ( 1 ) والدخل : ما داخل الإنسان من فساد في عقل أو جسم ، وقد دخل دخلا ودخل دخلا ، فهو مدخول أي في عقله دخل . وفي حديث قتادة بن النعمان : وكنت أرى إسلامه مدخولا ، الدخل ، بالتحريك : العيب والغش والفساد ، يعنى أن إيمانه كان فيه نفاق .