محمد أبو زهرة
1737
زهرة التفاسير
وأظهر وصفهم ليعلم أنه علة إعراضهم ، وهذا ما نرتضيه ، ويتفق مع قوله تعالى من قبل يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا . فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً إذا كان أولئك المنافقون يصدون ذلك الصدود ، ويعرضون هذا الإعراض ، فلينظروا إلى حالهم عندما تصيبهم مصيبة بسبب تركهم التحاكم إلى القانون العادل والحاكم العادل ، كيف تكون حالهم عندما تنزل بهم مصيبة الظلم وعدم الخضوع لقانون عادل يرد الحق إلى نصابه ! وذلك أن الذي يترك القانون الذي لا يخضع لهوى ، والقاضي الذي لا يخضع لغرض ، ولا ينحرف عن الحق لأي غرض من أغراض الدنيا - تنزل به مصيبته لا محالة ، وهي الاضطراب ، وعدم الاطمئنان إلى حكم حاكم ! والجماعة التي تترك الحكم المستقيم إلى الحكم المعوج الذي يستمد من الطغيان والظلم ، لا بد أن تنزل بها مصيبة التفرق والانقسام ، وعدم التواصى بالحق . فالقرآن يشير للمنافقين بهذه النتيجة ، بل ينبئهم فيقول لهم : كيف تكون حالكم إذ تصيبكم مصيبة التظالم ، وأكل بعضكم مال بعض ، ونفرة الرسول منكم ، وظهور أمركم وانكشاف حالكم ، وذلك بما قدمته أيديكم من ترك للحق وعدم خضوع له ! والتعبير « بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » يبين ما سبق من أمرهم ، وإن لم يكن باليد ؛ لأن اليد مظهر العمل ، فهي كناية عن عمل الإنسان ، وإن كان باللسان أو القلب . ثم إنهم بعد أن تصيبهم مصيبة الباطل وانكشاف أمرهم ، ونفرتك منهم - جاءوك يعتذرون إليك ويوثقون اعتذارهم بالحلف بالله تعالى قائلين : ما أردنا بالمخاصمة لغيرك إلا إحسان المعاملة والتوفيق بين الخصوم . والمعنى الجلى للنص السامي : كيف تكون حالهم إذا نزلت بهم النازلة التي تترتب على تركهم حكم الله إلى حكم الطغيان ، ثم جاءوا إليك معتذرين عما سبق منهم ، قائلين حالفين بالله أنهم ما قصدوا الإعراض ، بل أرادوا التوفيق ، والمعاملة الحسنة ! ! .