محمد أبو زهرة
2231
زهرة التفاسير
ثم ذكر سبحانه أن التوراة لأهل التوراة ، وأن الإنجيل لأهل الإنجيل ، ولكل شرعة ومنهاج ، أما القرآن فهو المهيمن على الجميع ، ويجب أن يسود حكمه الجميع بلا استثناء ولو كان لكل شريعة ومنهاج ، وقد أمر بالحكم به بين اليهود ، وبين جميع الناس ، لا فرق بين يهود وغيره ، ولا بين أبيض وأسود ، ولقد كرر سبحانه وتعالى الأمر بالحكم بالكتاب ، فقال تعالت كلماته : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ . وكان تكرار الأمر بالحكم لتأكيده في مقام يستدعى التأكيد ، لأنه جاء في الكلام ما ربما يوهم أن لكل قوم شريعة خاصة بهم ، وأن حكم القرآن وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليس له صفة العموم فكان ذكر الأمر بالحكم مرة أخرى نفيا لهذا الوهم ، وتأكيدا لمعنى عموم شريعة القرآن ، وأن منهاج القرآن الكريم هو منهاجهم وأنهم قوم محمد - عليه الصلاة والسلام - وأن شريعة موسى وعيسى قد انتهت بنزول القرآن ، يبقى منها ما يبقى ويشتمل عليه ، ويبين ما انتهى حكمه بنزول القرآن الحكيم ، وأنه لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم « 1 » . وهنا بحث لفظي فيه تقريب لمعنى النص الكريم ، ذلك هو بيان المعطوف عليه في قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ فلذلك عدة تخريجات كلها تتلاقى في تأكيد الأمر بالحكم بما أنزل الله تعالى . أول هذه التخريجات أن تكون « وَأَنِ احْكُمْ » معطوفة على الكتاب ، وتفسير الكلام على هذا التخريج أن يكون المعنى فيه وأنزلنا إليك الكتاب ، وقولنا أن احكم - أي أنزلنا الكتاب ، وقد اقترن به الأمر بأن تحكم بين الناس به ، وبما أنزلناه عليك من وحى أوحى به إليك . ثاني هذه التخريجات أن تكون « أن » مصدرية ، وقد جوز الزمخشري دخول « أن » على أي فعل ، ويكون المعنى : وأنزلنا إليك مع الكتاب والحكم بما أنزل الله تعالى ، فما كان كتابا معطلا لمجرد التلاوة ، بل كان شرعا معلوما متبعا مأمورا
--> ( 1 ) سبق تخريجه .