محمد أبو زهرة
2232
زهرة التفاسير
باتباعه ، وكان دخول « أن » المصدرية على الفعل الأمر ، للدلالة مع المصدرية على الطلب وتأكيد معناه ، وهي معطوفة على : « بالحق » . ثالث هذه التخريجات هو أن تكون « أن » هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن اسمها محذوف ، أي الحال والشأن أن تحكم به بينهم ، وتكون معطوفة على الكتاب ، و « أنزلناه » بمعنى أعلمناك ، لأن العلم هو الغاية . وقد كان النهى عن اتباع أهوائهم فيه إشارة إلى أن الحكم إما أن يكون بما أنزل الله تعالى وأعلمه بحكمته وهدايته ، وإما أن يكون اتباعا لأهواء الناس ورغباتهم ، وذلك لأن القوانين البشرية تتبع الأعراف الاجتماعية للناس ، وما تواطئوا عليه وما ارتضوه لذات أنفسهم ، وقد يكون ظلما طبقيا ، وقد يكون هضما لحقوق ذوى الحقوق التي اكتسبوها بما ينمى ثروة الجماعة ويزيد خيراتها ، وشرع الله تعالى مخالف لحكم الهوى والشهوة وهو الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال . وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ هذا أمر موجه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو موجه إلى الأمة الإسلامية ، ولعل توجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم الذي يوحى إليه ، ليكون تحذيرا لغيره ؛ إذ غيره أولى أن يغره الغرور ، وتفتنه الفتن ، من شهوات مسيطرة ، وأهواء متحكمة ، وبذلك يكون الخطاب لجميع المخاطبين بالقرآن الكريم في كل العصور ، ومختلف الدهور ؛ لأنه إذا كان النبي عليه السلام يجب أن يحذر من أن يفتن فلا ينفذ أحكام الإسلام في الحكم بين الناس ، فغيره الحذر عليه أوجب ، وأشد إلزاما . والفتنة هنا معناها وقوع البلاء والشدة بعدم الحكم بما أنزل الله ، ولقد قال في معنى هذا النص وما يشبهه الأصفهاني في مفرداته : « وقال تعالى : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفهم إياك عما أوحى إليك » . فالفتنة المراد بها هنا النتيجة المترتبة عن ترك الحكم بما أنزل الله تعالى ، وأنه ليسبق تلك النتيجة إغراء من جانب الذين يتبعون أهواءهم ، ويحاولون أن يكون