محمد أبو زهرة
2226
زهرة التفاسير
أولاها - قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ . أكثر العلماء قالوا : إن قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ . متضمن معنى لا تنحرف ، بدليل أنه تعدى بعن في قوله تعالى : عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ . والمعنى في الجملة لا تتبع أهواءهم منحرفا عما جاءك من الحق ، وهو ما نزل به القرآن الكريم ؛ ولذلك نرى أن قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ . لا تضمين فيها ، بل قوله تعالى : عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ . يتعلق بحال محذوفة ، والمرمى من هذه الجملة السامية أن الخروج عما أنزل الله تعالى باتباع أهوائهم الفاسدة المردية فيه انحراف عن الحق ، وخروج عن الجادة المستقيمة ، وبعد عن الإنصاف في ذاته ، وكذلك الشأن فيمن يعدل عن حكم الله تعالى اتباعا لأهواء الناس ، وإرضاء للشهوات والرغبات المنحرفة . الإشارة البيانية الثانية - في قوله تعالى : عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ . فيه إشارة إلى أن الذي يبتلى بأمثال هؤلاء اليهود ومن سار على طريقهم في هذه الأرض يكون بين أمرين ؛ إما أن يطيع الهوى والشهوة وفيهما الفساد ، وإما أن يطيع ما جاء من عند الله ، وفيه العدل والهدى والرشاد ، وأي الطريقين أهدى للوصول إلى الصلاح الذي لا فساد يعكره . الإشارة الثالثة - فيها بيان أن ما يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق والعدل في ذاته ، وبذلك يكون حكم النبي - عليه الصلاة والسلام - قد تأيد بأمرين : أحدهما - أنه الحق في ذاته الذي لا مرية في أنه العدل والأمر الثابت الذي لا تجوز مخالفته في ذاته ، ثانيهما - أنه جاء من عند الله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وهو بكل شئ عليم . لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً الخطاب لليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم من الذين أوتوا كتابا نزل بشريعة من عند الله تعالى ، ويكون في الكلام التفات ، فقد كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمتحدث عنهم أولئك الذين اتبعوا وحرفوا الكلم عن مواضعه ، والمعنى على هذا لكل نبي من الأنبياء السابقين شرعة يسير نحوها ، ويتجه إليها ، ومنهاج واضح بين يسير في طريقه ، ولا يلتوى عنه ، ولا