محمد أبو زهرة

2227

زهرة التفاسير

يخرج منه ، فإن ما عداه متاهات لا يلتفت إليها ، والذين يعاصرونه هم الذين يخاطبون بشرعته ، ويسيرون في منهاجه ، فالذين نزل فيهم القرآن مخاطبون بما جاء في القرآن ، وشرعته ومنهاجه لهم ؛ لأن شرعة الأنبياء السابقين ومنهاجهم قد انتهيا بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبقي من شرائعهم ما يقره القرآن ، وما جاء النص بإقراره . وتفسير الشرعة قد اتفق الفقهاء على أن المراد بها الشريعة ، وهي ما جاء من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة ، والمنهاج على هذا هو الطريق الواضح لتنفيذها ، وبيان مجملها ، وتفصيل أحكامها الجزئية ؛ ولذلك روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الشرعة هي النصوص التي تجىء في أصل الكتاب المنزل ، والمنهاج هو ما يبينه النبي الذي أنزل عليه الكتاب ، وفصل به الأحكام الجزئية « 1 » . هذا كله على أساس أن ضمير الخطاب قد وجه إلى اليهود والنصارى ممن كان لهم كتاب منزل ، وقد يرد على هذا أن الرسالة الإلهية واحدة ، فكيف يجئ فيها الاختلاف ، وقد قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ . . . ( 13 ) [ الشورى ] . ونقول في الإجابة عن ذلك : إن الوحدة الجامعة بين الرسالات الإلهية هو ما يتعلق بالعقيدة من إيمان بالوحدانية ونفى للوثنية ، وإيمان باليوم الآخر ، وما يجرى فيه من حساب وعقاب ، ونعيم وجنات تجرى من تحتها الأنهار ، وجحيم وسعير إلى آخر ما ورد في الغيبيات . أما الشرعة التي يجئ فيها الاختلاف فهو الأوامر والنواهي ، وبعبارة عامة فهي التكليفات من حلال وحرام ، فقد يشدد الله تعالى على بعض الأقوام لغلظ قلوبهم ، ويخفف على آخرين ، كما قال تعالى :

--> ( 1 ) ذكر البخاري تعليقا : الإيمان ( باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس ) . وقال ابن عباس : شِرْعَةً وَمِنْهاجاً سبيلا وسنة .