محمد أبو زهرة

2223

زهرة التفاسير

هذا تتميم لما ذكره سبحانه وتعالى من كتب ، وبيان تعاقب الرسل المعروفين ذوى الشرائع التي سنت الأحكام وعبدت المناهج ، فقد ذكر سبحانه وتعالى أنه أنزل التوراة وشرع ما فيها من أحكام ، وأن على أهل التوراة أن يحكموا بها ، ثم أعقب الإنجيل التوراة ، وأتى بأحكام يجب تنفيذها ، وأكد ما اشتملت عليه التوراة مما لم يجئ نسخ بها ، وأتم الله سبحانه وتعالى البيان بذكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبه تمت الرسالة الإلهية ، وكملت شرائع الله تعالى ، وقد قال تعالت كلماته : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ في هذا النص السامي ، نجد بعض إشارات بيانية تشير إلى مكانة القرآن بين الكتب السماوية ، وتبدو هذه الإشارات في ثلاث نواح : الناحية الأولى - أنه سبحانه لم يقل وقفينا على آثارهم بمحمد أو نحو ذلك ، بل بين سبحانه أنه أنزل الكتاب ، وفي ذلك إشارة إلى معنى استقلاله ، وأنه لم يكن فيه تبعية لغيره من الكتب ، بل هو مستقل بالمكانة منفرد بها من غير تبعية أيا كان نوعها ، وأيا كان مقدارها ، وذكر الكتاب دون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صراحة للإشارة إلى مكانة الشريعة الإسلامية وكتابها الكريم الباقي والخالد إلى يوم القيامة ، وهو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا ذكرها سبحانه في مقام الإكبار والتفخيم يكون بيانا لمكانة الرسالة المحمدية ، وبيان أن حجتها أقوى الحجج ، وأشدها تثبيتا ، وأبقاها في هذا الوجود ، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الكتاب من غير تعريف سوى ذلك ، و ( أل ) كما قال علماء اللغة للعهد ، وفي ذلك إشارة إلى كماله ، أي أنه « الكتاب » الذي هو جدير باسم الكتاب ، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا إليه ؛ لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود . وقد زاده الله تعالى شرفا فنسب الإنزال إليه سبحانه ، وفي ذلك تأكيد لمنزلته العالية السامية . الناحية الثانية - من الإشارات البيانية المبينة لمكان القرآن - هو بيان أنه سجل الرسالات السابقة ، والشاهد بصدقها فهو مصدق لكل الكتب السابقة ،