محمد أبو زهرة

2224

زهرة التفاسير

المنزلة قبل تحريفها ، وفيه دلائل نبوة الأنبياء السابقين ، ومعجزاتهم ، والكتاب الآخر في قوله تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ . هو جنس الكتب السماوية السابقة ، ف ( أل ) فيه للجنس ، أي أنه في القرآن الكريم الدلائل المثبتة لصدق ما يصح أن يسمى كتابا سماويا من الكتب السابقة بما فيها الإنجيل والتوراة والزبور ، ويصح أن يكون ( أل ) للعهد أيضا ، وهو العهد الذكرى ، إذ ذكر من قبل كتابان من الكتب السماوية وهما التوراة والإنجيل ، وعبر عنهما بالكتاب باعتبار الجنس ، ولأن كليهما متمم للآخر ، فهما في معنى كتاب واحد . والناحية الثالثة مما يدل على مكانة القرآن - هو أنه يهيمن على الكتب السابقة ، فقد قال تعالى في مقامه بالنسبة لغيره من كتب السماء : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . والمعنى أنه حاكم بصحة ما فيه ، وشاهد بصدقه ، ومقرر لمعانيه الباقية التي لم يعترها نسخ ، وفوق ذلك يتبين الصحيح الذي نزل ، ويشير إلى المحذوف الذي حذفه الأخلاف ، إذ نسوا حظا مما ذكروا به ، وهناك قراءة بفتح الميم ، ذكرها الزمخشري في الكشاف « 1 » ، ويكون المعنى أنه ( مهيمن ) عليه أي مراقب محفوظ ، كما قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر ] . وقد وضح الزمخشري المعنى على هذه القراءة بقوله رضى الله تعالى عنه : « أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل ، كما قال تعالى : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ . . . ( 42 ) [ فصلت ] . والذي هيمن عليه الله عزّ وجل أو الحفاظ في كل بلد ، لو حرف حرف منه أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد ، ولاشمأزوا رادين ومنكرين » . أي أن الله تعالى هيمن عليه وحفظه إلى يوم الدين ، والحفاظ للقرآن جيلا بعد جيل هم بتوفيق الله تعالى شاهدون مانعون لكل تغيير وتبديل ؛ لأنهم يحفظونه في صدورهم ، ولا يتركونه للقرطاس الذي قد يرد عليه المحو والإثبات والتغيير والتبديل ، وبذلك اختص القرآن بالصيانة من بين الكتب السماوية ، وهو

--> ( 1 ) وهذه القراءة ليست في العشر المتواترة .