محمد أبو زهرة

1730

زهرة التفاسير

ليس من المعقول أن يفهم من الآية أن ولى الأمر يطاع حيث يعصى الله ورسوله ، وهما مقترنتان ، وولى الأمر منا حقا وصدقا لا يخالف الله ورسوله ، وإلا كان متغلبا طاغيا . وإذا كانت طاعة ولى الأمر لا تكون إلا في دائرة الكتاب والسنة ، فلا بد أن يكونا هما المرجع في الوفاق والخلاف معا ، فإن اتفق أهل الحل والعقد على أمر مشتق من كتاب الله وسنة رسوله ، وغير خارج عنهما ولا عن أصولهما المقررة ، فهو الحجة الواضحة ، كما كان يفعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فقد كانا يعرضان الأمر الذي لا يعرفان له حكما من كتاب ولا سنة على الصحابة ، وأحيانا على كل أهل المدينة ، فما يثبت أنه ورد فيه قرآن أو سنة خضع الجميع له ، وإلا فإنهم ينظرون مجتهدين فيما يكون من جنس ما يأمر به الكتاب أو السنة ، فإن اتفقوا عليه نفذوه . وإذا كان اختلاف ، فإنه لا حكم في الاختلاف إلا الكتاب والسنة أيضا ، وهذا موضع قوله تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ وليس التنازع هو المحاربة ، إنما التنازع هو الاختلاف في طلب الحق في الأمر ، وقد جاء في تفسير معنى التنازع في مفردات الراغب : « نزع الشئ جذبه . . . والتنازع والمنازعة المجاذبة ، ويعبر بهما عن المخالفة والمجادلة » . وكأن كل واحد من المختلفين يجذب من الآخر الحجة لدليله ، ويجعل الحق في جانبه بجذب الحجة على مخالفه ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : « ما لي أنازع القرآن » « 1 » ! وذلك أن بعض المأمومين جهر

--> ( 1 ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال صلى الله عليه وسلم : « هل قرأ معي أحد منكم آنفا ؟ » فقال رجل : نعم يا رسول الله . قال : « إني أقول ما لي أنازع القرآن » قال : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ رواه الترمذي : الصلاة - ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام ( 312 ) ، والنسائي : الافتتاح - ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به ( 919 ) ، وأبو داود : الصلاة - من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام ( 826 ) ، وابن ماجة : إقامة الصلاة والسنة فيها - إذا قرأ الإمام فأنصتوا ( 849 ) ، وأحمد : مسند المكثرين ( 7228 ) .