محمد أبو زهرة

2213

زهرة التفاسير

تعزير بعيد عنها ، والأول أولى ؛ لأن التعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ولا قدرها ، بل يعزر بالسوط أو العصا ، وقد يكون من لطمة أو ضربة بيده ، فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد ، وقد يزيد وينقص ، وفي العقوبة بجنس ما فعله تحر للمماثلة بحسب الإمكان ، وهذا أقرب إلى العدل الذي أمر الله تعالى به وأنزل به الكتاب والميزان ، فإنه قصاص بمثل ما نزل بذلك العضو في مثل المحل الذي ضرب به بقدره ، أو يزيد قليلا أو ينقص قليلا ، وذلك عفو لا يدخل تحت التكليف » . سقنا هذا الكلام مع طوله لأن فيه توضيحا للنظرة الإسلامية السليمة في المساواة والتماثل بين الجريمة والعقوبة ، وإن ترك تلك السنة إلى التعزير أدى إلى التفاوت بين الناس في العقاب ، وذلك ما لا يقره الكتاب ولا السنة ولا يؤيده قياس ، بل يؤيده أعراف فاسدة ، وأخذ ظالم بنظام الطبقات المفرق . فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ الكفارة ستر الذنوب ، بألا يحاسب عليها بين يدي الله تعالى ، بل يغفرها الله تعالى له ويسترها فلا يظهرها ، بل تكون عند الله تعالى من التائبين المنيبين إليه سبحانه ، تقدست ذاته ، وتعالت صفاته . وهذا النص يفتح باب التسامح من المجنى عليه ، وهذا يدل على أن العقوبة لم يقصد بها الانتقام المجرد ، بل قصد الزجر ، وإشعار الجاني بأن سوط العقاب مسلط عليه ؛ ولذلك دعا القرآن الكريم إلى العفو إن كان له موضعه ، فقال تعالى : . . . فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ . . . ( 178 ) [ البقرة ] . فكان في هذا النص تحريض على العفو بذكر الأخوة الرابطة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حكم بالقصاص دعا إلى العفو ، ولكن بعد أن يعطى لولى الدم أو المجنى عليه زمام الأمر وتمكينه من القصاص ليشفى غيظه ، ويردع الجاني بجعل حياته أو جسمه رهن إشارته . وفي قوله تعالى : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ الضمير يعود إلى القصاص ، والمعنى من تصدق بهذا القصاص على الجاني ، فإنه صدقة كسائر الصدقات ، والصدقة كما