محمد أبو زهرة
2214
زهرة التفاسير
قال عليه الصلاة والسلام « تطفئ الخطيئة ، كما يطفئ الماء النار » « 1 » وإذا كان العفو صدقة فهو كفارة ساترة للذنب مذهبة للعقاب ، ويرجى معها الثواب ، وقد قال تعالى : . . . إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . . ( 114 ) [ هود ] . ومذهب الإسلام في إلزامه القضاء الحكم بالقصاص وفتح باب العفو - توسط بين ما جاء في التوراة من القصاص ، وما جاء في المسيحية من عفو ، فكان المسلمون أمة وسطا . ويلاحظ أن العفو أو التصدق بالقصاص يسقط حق المجنى عليه ، ولكن لا يسقط حق المجتمع من ضرورة العمل على منع ارتكاب الجرائم ، فلولى الأمر أن يحكم بتعزيره إذا عفا ولى الدم ، والتعزير عقوبة غير مقدرة يراها ولى الأمر رادعة . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ختم سبحانه وتعالى الآية الكريمة بهذه العبارة ، وفيها إشارة إلى أن هذا القصاص حكم الله تعالى الذي لا يتغير ولا يتبدل ؛ ولذلك كان في شريعة موسى عليه السلام ، وفي شريعة النبيين من بعده ، وجعلها القرآن الكريم شريعته ، وفيه إشارة إلى أن العدالة التي أوجبتها المساواة بين الجريمة وعقوبتها من غير هوادة من أخذ المجرم بجريمته إذا أصر عليها ولى الدم أو المجنى عليه - هي حكم الله تعالى الخالد الباقي المنزل على رسله . ونجد النص هنا يحكم بأن من لم يحكم بما أنزل الله تعالى يكون ظالما ، وفي الآية السابقة نص على أنه كافر ، والسبب الذي يظهر لنا في ذلك أن الآية الأولى كانت تذكر ما اشتملت عليه التوراة من هداية ونور ، فكان الذين لا ينفذون أحكامها مع ما هي عليه منكرين لتلك الأوصاف العالية التي اشتملت عليها من غير تبديل ، فكانوا بذلك كافرين ، أما هذه الآية فإنها تشتمل على أحكام عملية ، فعدم الأخذ بها يتضمن ظلما ؛ لأنها عدل في ذاتها ، ومشتقة من قانون الفطرة
--> ( 1 ) سبق تخريجه .