محمد أبو زهرة

2206

زهرة التفاسير

الشذاذ الذين قالوا : إن نفس المرأة دون نفس الرجل ، وبمثل قول هؤلاء الشذاذ كان يقول بعض الطوائف من اليهود ، كما أخبر ابن عباس رضي الله عنه ، وكان ذلك النص الكريم للرد عليهم ، وبيان الحق الذي جاءت به التوراة التي أنزلت على موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم . وإن نفس الحر كنفس العبد بمقتضى ظاهر هذا النص الكريم ، لأن كليهما يشترك في وصف الآدمية ، وبذلك جاء الحديث النبوي الكريم : « من جوع عبده جوعناه ، ومن قتله قتلناه » « 1 » فإن هذا الحديث صريح في المساواة بين نفس الحر ونفس العبد ، ولو كان القاتل له مالكه الذي يملكه . وإن هذا غير رأى جمهور الفقهاء إذ إنهم ينظرون إلى مالية العبد ، ولا ينظرون إلى آدميته ، وأما الذين قرروا أن السيد يقتل في نظير العبد ، وأن العبيد يقتص لهم من الأحرار بمقدار ما أجرموا ، فإنهم نظروا إلى آدميته والمساواة في النفس الإنسانية من غير نظر إلى كونه مملوكا أو مالكا ، ومن غير نظر إلى كونه رقيقا أو حرا . ولنا أن نقرر أن المساواة في الدماء بين الأحرار والعبيد هي الأمر الذي يتناسب مع مقاصد الإسلام إذ إن مصادر الإسلام وموارده تقرر منع ظلم العباد الذين كتب عليهم الرق ، ولا شك أن أبلغ الظلم أن يقتلوا ، والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أوصى بالرحمة بهم ، ولا شك أنه من الرحمة بهم احترام نفوسهم ، وصيانة دمائهم ، وأن الرق أمر عارض بالنسبة للعبيد ، ولا يصح أن يكون الأمر العارض مزيلا للمعنى الإنسانى الأصيل ، بل هو ثابت فيهم لا يزول . والنصوص العامة المتضافرة مثبتة وجوب القصاص في الأنفس من غير تفرقة بين نفس حر ونفس عبد ، فالله تعالى يقول : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي

--> ( 1 ) سبق تخريجه .