محمد أبو زهرة
2200
زهرة التفاسير
كانوا يعملون هم النبيون الذين جاءوا من بعد موسى ، فقد كانت التوراة الشريعة التي ينفذون أحكامها ، ولم يكن عندهم ما ينسخ شريعة التوراة أو يبدل أحكامها أو بعض هذه الأحكام ، ولقد وصفهم الله تعالى بأنهم : الَّذِينَ أَسْلَمُوا أي أخلصوا لله ولتنفيذ أحكامه ، وأذعنوا للحق ، ولا يحاولون أن يجدوا منه مناصا بتأويل ، أو بإرادة تخفيف لشريف ، وتشديد على ضعيف ، وفي ذلك تعريض بما كان من اليهود من جعلهم للضعيف حكما صارما ، وللشريف تهاونا ظالما ، فإن خلق النبيين الإخلاص وهو الإسلام والانقياد وتنفيذ حكم الله تعالى بقلب سليم ، فذكر وصف الإسلام للنبيين ، لبيان ما أوتوا من شرف الإذعان ، وللإشارة إلى أن تنفيذ الأحكام من غير عوج ولا التواء هو خلق كل النبيين ، ويقول بعض العلماء : إن ذلك تشريف لمعنى الإسلام إذ هو خلق الفضلاء ، وخلق النبيين الصديقين ، ويقول الإمام ناصر الدين بن المنير الإسكندرى في ذلك : « إن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها ، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر ، كما يكون تنويها بقدر موصوفها ، فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف بالصفة العظيمة قد يراد إعظام الصفة بعظم موصوفها . . . فكذلك والله أعلم جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويها به ، ولقد أحسن الناظم في مدحه عليه الصلاة والسلام ، إذ قال : فلئن مدحت محمدا بقصيدتى * فلقد مدحت قصيدتي بمحمد فيقرر ذلك العالم الجليل أن وصف النبيين بالإسلام تنويه بشأنه ، وإعلاء لقدره ؛ إذ إن النبيين هم المصطفون الأخيار ، فالصفات تعلو بهم ، وهم قد علوا باختيار الله تعالى لهم . وحكم هؤلاء الأنبياء الذين جاءوا من بعد موسى بالتوراة التي نزلت عليهم كان لليهود ، فكانت فاصلا بينهم مقيمة الحق فيهم ، فما بال اليهود يتململون من حكمها ، ويخرجون عن سمتها ، ويطبقونها على الضعفاء ، ويعفون من أحكامها الزاجرة الأقوياء ، إنما أهلكهم ذلك الجور ، وهم لا يعيشون إلا في أزمان الجور ، وحيث كان العدل أذلتهم أخلاقهم ، وأركستهم أهواؤهم .