محمد أبو زهرة
2201
زهرة التفاسير
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ وهذا النص يبين أن التوراة ما كان يطبق أحكامها النبيون فقط ، حتى لا يقال لسنا كالنبيين ، وإن تطبيقها مقصور عليهم ، ولكن الذين يطبقونها من غير النبيين يتصفون بصفتين : الإخلاص ، والاتصال الروحي بالله ، حتى يكون سمعهم الذي يسمعون به ، وبصرهم الذي يبصرون به ، والصفة الثانية : العلم الدقيق العميق ، والإحاطة الكاملة بعلم الكتاب ، بحيث لا يكونون ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وهؤلاء هم الربانيون والأحبار . والربانيون هم المنسوبون إلى الرب ، وقد قال في تفسير هذا اللفظ الأصفهاني في مفرداته : « والرباني قيل منسوب إلى الربان ، لفظ فعلان من فعل يبنى ، نحو عطشان ، وسكران ، قلما يبنى من فعل ، وقد جاء نعسان ، وقيل هو منسوب إلى الرب الذي هو المصدر وهو الذي يرب العلم كالحكيم ، وقيل منسوب إليه ، ومعناه رب نفسه بالعلم ، وهما متلازمان ؛ لأن من رب نفسه بالعلم فقد رب العلم ، ومن رب العلم فقد رب نفسه ، وقيل هو منسوب إلى الرب أي الله تعالى ، فالربانى كقولهم إلهي ، وزيادة النون كزيادته في قولهم لحيانى وجسماني ، قال على - رضي الله عنه - : « أنا رباني هذه الأمة » . وخلاصة ذلك الكلام : أن كلمة رباني إما منسوبة إلى الرب بمعنى تربية النفس وتهذيبها ، وجعلها خاضعة لله تعالى ولمقتضى العلم والتهذيب ، فهو قد صفى نفسه من أدران الهوى ، وإما منسوبة إلى الرب الخالق المبدع المتصرف ، أي أن الشخص قد جعل نفسه خالصا لله تعالى كإلهى ، أي أنه عابد عبادة جعلت لكل شئ في نفسه لله تعالى ، والمعنيان وإن افترقا في التصريف والاشتقاق متلاقيان في المؤدى ؛ إذ المؤدى أن الربانيين هم الذين صفوا نفوسهم ، حتى كانت لله تعالى خالصة لا تزيفها الأهواء ولا الشهوات ، فالحق ملء قلوبهم ، ولا يشغلها غيره « 1 » ، والأحبار هم العلماء جمع حبر ، أو حبر ، وهما لغتان ، وهو مأخوذ من
--> ( 1 ) أي لا يشغل قلوبهم غير الحق .