محمد أبو زهرة

2199

زهرة التفاسير

تعالى ، فقال تعالت كلماته : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ هو سبحانه وتعالى المنزل لها ، وأكد ذلك الشرف ب إِنَّا ، وبإضافة ذلك التنزيل إليه تعالت كلماته ، وتقدست كتبه . وبين سبحانه وتعالى شرفها الذاتي بما اشتملت عليه من هداية ونور ، والهداية أو الهدى ما اشتملت عليه من بيان الأحكام في المعاملات والزواجر الاجتماعية وما يرشد إلى التطبيقات العملية ، وأما النور فهو ما تشتمل عليه من مواعظ مبصرة ، وأخلاق منيرة للحق ، مقومة للسلوك مكونة للرأي العام الفاضل ، وعبادات مطهرة للنفوس منيرة للقلوب ، وبذلك تكون الهداية ما يتعلق بمعاملات الناس وتنظيم الجماعة والنور ما يتعلق بالعقيدة والعبادة والمواعظ ، وسائر ما يتصل بالتوجيه النفسي وتطهير القلوب . وقد فسرت الكلمتان بغير ذلك ، فقد فسر الزمخشري كلمة « الهدى » بأنه : يهدى إلى الحق والعدل ، و « النور » بما فيه بيان ما استبهم من الأحكام ، والمؤدى على التفسيرين هو الرد على اليهود ، وبيان وجه العجب في قوله تعالى : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ بأنهم لو كانوا طلاب حق فالتوراة عندهم فيها الهداية إلى العدل وهي كاملة في بيانه وتوضيحه ، لا تحتاج إلى مبين ، ولا إلى موضح . ويجب أن ننبه هنا إلى أن التوراة التي فيها هذه الأوصاف من أنها منزلة من عند الله ، وأنها هدى ونور - إنما هي التوراة التي لم يحرفوها ، ولم يزيدوا عليها أو ينقصوا منها ، فإنها دخلت فيها الزيادة والنقص عندما ضربت أورشليم « 1 » بأيدي التتار والرومان ، وحرقوها ، فلا يحتج بهذا الكلام للتوراة التي بأيدي اليهود وغيرهم في هذه الأيام ، فقد نسوا حظا مما ذكروا به ، وزادوا ما لم ينزل من عند الله . يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ التوراة الصادقة التي أنزلت من الله تعالى لم تكن شرائعها معطلة بل كانت ثابتة معمولا بها ، والذين

--> ( 1 ) أورشليم : بيت المقدس بالعبرانية .