محمد أبو زهرة
2197
زهرة التفاسير
تصديقها في كل ما جاء بها مما في أيديهم ، فقد نسوا حظا مما ذكروا به ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ولا شك أن التحريف لم يتناول الجميع ، بل لا تزال فيها أثارة مما نزل على موسى . ومن المباحث اللفظية في النص الكريم التعبير ب « ثم » ، وبقوله تعالى « من بعد ذلك » ، في قوله سبحانه : ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ . فإن التعبير ب « ثم » ، والبعدية والإشارة للبعيد للتفاوت النفسي المنطقي الكبير والتراخي المعنوي بعد الاحتكام إلى النبي عليه الصلاة والسلام والإعراض عن قوله بعد أن بين حكم التوراة فيما يحتكمون ، ولكن المنافق المبطل في مفارقات مستمرة بينه وبين الحق ، والمنطق السليم ، والعقل المستقيم . وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ في هذا النص الكريم نفى لصفة الإيمان المطلق عن اليهود وأشباههم ممن يجعلون الحق تبعا لأهوائهم ، والله سبحانه وتعالى ينفى صفة الإيمان بأي عقيدة أو مذهب ؛ لأن الإيمان يقتضى طلب الحق وإدراكه والإذعان له وهذه ليست صفات هؤلاء ، فهم لا يطلبون حكم الحق بل يطلبون حكم الهوى ، وأركسوا في الأهواء فلا يدركون ، وبعدوا عن المنهاج المستقيم فلا يذعنون ، فهم لا يؤمنون بالتوراة وإلا أذعنوا لحكمها ، ولا يؤمنون بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم جحدوا قوله وناوءوه ، وناصبوه العداء فهم لا يؤمنون بشيء . والإشارة في قوله تعالى : وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إليهم بأوصافهم كلها من أنهم لا تستمرئ أسماعهم إلا الكذب ، ويأكلون أموال الناس بالباطل ، ويتميلون بالحق ، ويفرقون في الحكم بين القوى والضعيف ومن كان هذا شأنهم لا يمكن أن يدخل شيء من الإيمان قلوبهم . . اللهم احفظ الناس من شرهم ، وهبنا الإيمان الصادق والإذعان للحق .