محمد أبو زهرة

2193

زهرة التفاسير

أولهما - أنهم كانوا يقيمون حد الزنى ، إلى أن زنى منهم شاب ذو شرف ، فقال بعضهم لبعض ؛ لا يدعكم قومه ترجمونه ، ولكن اجلدوه ، فجلدوه ، وحملوه على إكاف حمار ؛ ( برذعة ) وجعلوا وجهه قبل ذنب الحمار ، ثم زنى بعد ذلك وضيع ليس له شرف وليس له من يحامى عليه ، فقالوا : ارجموه ، ثم وجد من بينهم من استنكر تلك التفرقة ، فقالوا : كيف لم ترجموا الذي قبله ، ولكن اصنعوا بهذا مثل ما صنعتم بسابقة ، ثم قالوا : سلوه لعلكم تجدون عنده رخصة . وكأنهم استثقلوا إقامة الحد ، وأرادوا أن يترخصوا ، ويقبلوا حكم النبي صلى الله عليه وسلم فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم توراتهم يجب أن ينفذ ، وأنه لا يصح الفرار من هذا الحكم ، وإن ذل الأمم يكون إذا غيرت الأحكام فيها لأجل الأقوياء ، وبدلت على حسب الأهواء . ثانيها - أن اليهود ما كانوا يعدلون فيما بينهم ، ولا تتكافأ دماؤهم في نظرهم ، فكانت قريظة إذا قتلت قتيلا من بنى النضير كانت تجب الدية كاملة في حال وجوب الدية ، وإذا قتلت النضير من قريظة كانت نصف الدية لشرف في الأولى ونقص في الثانية ، ويروى أنهم كانوا إذا قتل رجل من بنى النضير قرظيا لا يقتل به ووجبت الدية ، وإذا كان المقتول نضيريا قتل به ، فكانت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بينهم دماء ، فتحاكموا ، فحكم بالتسوية ، لأن ذلك هو العدل ، وهو حكم التوراة . وقد خير الله تعالى نبيه في أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم ، ولما ذا كان ذلك التخيير ، وإقامة العدل واجبة ، وقد مكن من إقامته بتحكيمهم ؟ والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا ذلك التخيير ، ليتعرف أمرهم ، فإن كانوا يريدون الحق ويطلبونه ويذعنون له استجاب للأمر وحكم ، وإن كان يعلم أنهم جاءوا مغرضين في قلوبهم مرض ، لا ينفذون إلا ما يتفق مع أهوائهم وليسوا خاضعين لسلطانه - ينفذ فيهم الحق الذي يراه ، أما الذين يكونون تحت سلطانه وينفذ الحق فيهم ، فإنه لا تخيير بل يقضى بينهم ، وكذلك الأمر من بعده صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قرر الفقهاء أن