محمد أبو زهرة

2194

زهرة التفاسير

الذميين في المعاملات المالية والزواجر الاجتماعية خاضعون للأحكام الشرعية ، ولا يجيز الحاكم في الحكم بينهم بشرع الله تعالى ؛ لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، أما رعايا الدول الأخرى الذين يقيمون في ديارهم ويربطهم بالمسلمين الجوار وميثاق عدم الاعتداء ، كما كان الشأن في يهود المدينة في أول أمرهم ، قبل أن تظهر خيانتهم ، ويضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى إجلائهم . وهنا ملاحظة لفظية ، وهي في قوله تعالى : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ . لما ذا كان التعبير ب « إن » الدالة على الشك ولم يكن التعبير ب « إذا » الدالة على التحقيق ، مع أنهم جاءوا إليه فعلا ؟ والجواب عن ذلك أن الشك كان بالنسبة لحالهم ، فهم كانوا مترددين في التحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم بعد الحكم لم ينفذوا ، فحالهم حال شك ابتداء وحال شك انتهاء ، وعدم إذعان في الحالين ؛ لأن في قلوبهم ، كما قال تعالى في أشباههم : أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ . . . ( 50 ) [ النور ] . ولقد زعم بعض العلماء أن الحكم الشرعي كان هو التخيير عند تحاكم غير المسلمين ثم نسخ ، وصار الحكم لازما ، والحق أن التخيير لا يزال قائما بالنسبة لغير المسلمين الذين يطلبون حكم الإسلام من الحاكم المسلم لينفذوه في ديارهم ، والتخيير ليتعرف الحاكم حالهم ، فيحكم حتما إن كانوا طلاب حق ، وله أن يرفض إن كان في قلوبهم مرض ، ولا ضرر من الإعراض ؛ ولذلك قال سبحانه : وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً . وإنه في حال الإعراض يصاب أولئك الذين يريدون الحكم لهواهم لا للحق في ذاته - بخيبة أمل قد تحرك فيهم عناصر الضغينة والمقاومة ، وإشاعة قالة السوء عن النبي صلى الله عليه وسلم فبين الله سبحانه وتعالى في ذكره الحكيم أنه لا تضره هذه الأفعال ، وقد نفى سبحانه وتعالى الضرر نفيا مؤكدا ب « لن » ؛ لبيان أنهم لا طاقة عندهم في أن يضروه ، وكان نفى الضرر في هذا المقام له مغزاه ؛ لأن احتكامهم إليه صلى الله عليه وسلم فيه نوع من المسالمة والإذعان في الظاهر لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو إعلان للتصديق ،