محمد أبو زهرة

2192

زهرة التفاسير

وإنما قيل للرشوة السحت تشبيها بذلك ، كأن بالمسترشى من الشره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك - مثل الذي بالمسحوت - المعدة من الشره إلى الطعام ، يقال منه : سحته ، وأسحته لغتان محكيتان عن العرب . . . ومنه قوله تعالى : . . . فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ . . . ( 61 ) [ طه ] . وتقول العرب للحالق : « اسحت الشعر ، أي استأصله » . ونرى أن ابن جرير ذكر الرشوة فقط هنا ، وإن كان السحت يشمل أكل مال الناس بالباطل ، ولو كان هدية في نظير مسعى حميد كما ذكرنا عن ابن مسعود ، وقد روى عن مسروق التابعي أنه شفع لرجل في حاجة ، فأهدى إليه جارية فغضب غضبا شديدا ، وقال : لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك ، ولا أكلم فيما بقي من حاجتك ، سمعت ابن مسعود يقول : « من شفع شفاعة ليرد بها حقا ، ويرفع بها ظلما فأهدى له فقبل فهو سحت » . وإن هذا الكلام المروى يبدو منه أمران : أحدهما أن كل أكل لمال الغير بالباطل يعد سحتا سواء أكان برضاه أم كان بغير رضاه . وثانيهما - أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانوا لفرط إيمانهم بالحق ووجوب نصرته يرون أن نصرة الحق ودفع الباطل يجب أن تكون لله ، وأنه لا يصح أخذ أجر في نظيرها ، ولو كان هدية تعطى في مسمحة ومحبة ، حتى لا يرنق قول الحق بغرض من أغراض الدنيا ، وحتى لا يستغل الجاه ، ولكي تعلو معنويات الأمور ، ولا تسيطر مادياتها . وإن اليهود قد اشتهروا بالسحت ، وخصوصا في الحكم ، وقد أرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بشرعته رجاء أن يكون في حكمه ما هو أخف من حكم ما عندهم ، لا طاعة لحكمه ، وخصوصا للحق عنده ؛ ولذا قال سبحانه : . . . فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ يومئ هذا النص الكريم إلى أنهم سيتحاكمون إليه ، وقد تحاكموا إليه بالفعل لا طلبا للحق والعدل ، ولكن رجاء التخفيف عمن أرادوا التخفيف عنه ، وروى في موضوع التحاكم الذي ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم فيه عدة روايات تنتهى إلى خبرين :