محمد أبو زهرة

2191

زهرة التفاسير

الكلام مستمر في بيان أوصاف الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم ، والذين غلبت عليهم الشقوة والضلالة ، حتى صاروا لا يخضعون إلا لأهواء قوم لم يشرق في قلوبهم نور الإيمان ، ولم تطمئن قلوبهم ببرد اليقين للإذعان للحقيقة بعد أن يعرفوها . وقد انتقلت الآيات من التعميم إلى التخصيص ، فخصت اليهود بوصف آخر غير أنهم سماعون للكذب بأنهم أكالون للسحت . سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ هذا وصف للذين يسارعون في الكفر عامة وفي اليهود خاصة ، وهم مرنوا على سماع الباطل واستمرءوه وأضافوا إلى ذلك وصفا من بابه ، وهو أنهم يستمرءون المال الخبيث الذي ينبت من باطل ، وإذا كانت آذانهم تستمرئ باطل القول وزوره ، فأفواههم وذممهم تستمرئ أكل أموال الناس بالباطل ، والسحت كما يفهم من مصادر اللغة وآثار التابعين والصحابة ، كل كسب يكون بطريق آثم ، ومن ذلك الرشوة والربا ، وأخذ الأجور في الشفاعات ، وقد سئل عبد الله بن مسعود عن السحت ، فقال : الرجل يطلب الحاجة للرجل فيقضيها فيهدى إليه هدية فيقبلها « 1 » ، وإذا كانت الهدية في مقابل قضاء الحاجات سحتا ، فما ذا يكون كسب الجاه والمال والمناصب ، وما تدر عليه من مال بطريق النفاق والفتاوى الباطلة في الدين ، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به » « 2 » . وذكر الطبري الأصل اللغوي لكلمة سحت ، فقال : « وأصل السحت « 3 » كلب الجوع ، يقال : فلان مسحوت المعدة ، إذا كان أكولا ، لا يلفى أبدا إلا جائعا ،

--> ( 1 ) عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها ، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا » [ رواه أبو داود : البيوع - الهدية لقضاء الحاجة ( 3541 ) ، وأحمد : باقي مسند الأنصار ( 21748 ) ] . أوردته لغلبة الغفلة عنه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) كما في جامع البيان ج 6 ، ص 140 .