محمد أبو زهرة
2187
زهرة التفاسير
فيفسد موضع التفكير والتدبر ، كأولئك الذين يلقون بأسماعهم في الخرافات ، فيتقبلونها كأنها حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها عندهم ، فهم بهذا ضالون ، وتكون اللام في قوله تعالى : لِلْكَذِبِ ، للتعدية ، أو لتقوية التعدية ، وأن السماع منصب على الكذب ، وقال بعض اللغويين : إن اللام للتعليل أي سماعون لأجل أن يكذبوا ، وأحسب أن التخريج الأول أقرب إلى القبول ؛ لأن ذلك وصف لهم ، فهو غير معلل ، وهو يدل على فساد قلوبهم من داخلها ، لا من أمر خارج فقط ، وقد بين سبحانه الذين يستمعون إليهم ، والذين يغذون قلوبهم المملوءة بالصديد والدم ، فقال سبحانه وتعالى : سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أي أنهم يكثرون سماع الباطل ويكثرون من سماع قوم آخرين لم يأتوك لهم تأثير فيهم ، فاجتمع فيهم فساد الباطن الذي جعلهم لا يستمرءون إلا سماع الشر ، ووجود من يستغلون فيهم ذلك الضعف القلبي ، فيعملون على استهوائهم إلى الباطل ، والتعبير ب « قوم آخرين » ، فيه إشارة إلى أن أولئك الذين يستمعون إليهم بعيدون عن سلطان الدعوة الإسلامية ، إذا كان البعد حسيا ، أو بعيدون عن قبول قوله إذا كان البعد معنويا ، وكلاهما يشمله القول . وفي الجملة : إن في هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إن الذين يسارعون الكفر من المنافقين واليهود إذا كانوا يتنقلون في دركات الجحود ، ولا يستمعون إليك ، فلأنهم يجيئون إليك وقلوبهم مملوءة بالباطل ، والإيمان الصافي يحتاج إلى آنية صافية من كدرة الهوى ، وأخباث الشر ، وإذا كان فيها شئ من ذلك فإشراق الإيمان قد يذهب به إذا لم يكن ثمة تغذية له من كلام الآخرين ، واستمراء الباطل . وقد وصف الله الذين يمرقون عن الحق مروق السهم من الرمية ويدعون إليه بقوله تعالت كلماته : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ الكلم اسم جنسي جمعى لكلمة ، فهو معناه كلام ، والتحريف أصله من