محمد أبو زهرة

2188

زهرة التفاسير

الحرف ، وهو طرف الشئ ، ومعناه إمالة الكلام عن معناه ، وإخراجه عن أطرافه وحدوده ، والتحريف يكون على ضروب شتى فيكون بتغيير الألفاظ والزيادة فيها والنقص منها ، وذلك تحريف في اللفظ والمعنى ، وإما أن يكون التحريف بتفسير الكلام بغير ما تدل عليه الألفاظ ، وتوجيه المعاني إلى غير مقاصدها ، ويكون التحريف بإدخال احتمالات في الألفاظ ، وهي غير قابلة لها ، وقد قال الأصفهاني في هذا المعنى : « وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن على الوجهين » وقد خرج على هذا المعنى النص الكريم الذي نتكلم في معناه . واليهود حرفوا التوراة بكل أنواع التحريفات ، فزادوا فيها كلمات ليغيروا المراد فيها ، ففي تحريم الربا زادوا كلمة « أخاك الإسرائيلى » ليجعلوه محرما بين الإسرائيليين فقط . وحذفوا منها عبارات ، وأتوا بقصص مكذوبة كقصص ابنتي لوط ، وحملوا ما بقي من عبارات من غير زيادة فيها أو نقص على غير معانيها ، أو جعلوها محتملة لغيرها ، ورجحوا غير الظاهر على الظاهر ، وحذفوا منها ما كان فيه التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ . أي من بعد استقرار مواضعه ، وبيان حلالها وحرامها ، وفي آيات كثيرة كان التعبير القرآني ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، أي يصرفونه عن مواضعه بزيادة أو نقص ، والتعبير هنا هو قوله تعالت كلماته : مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ . أي من بعد استقرار أحكامه وهو مناسب للمقام هنا ؛ لأن الموضوع ، كما تدل الآيات التالية مسوقة لتغييرهم في الأحكام ، ومحاولتهم العبث بها . وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما كان يقوله القوم الآخرون الذين يسمعون لهم ؛ فهم يعطونهم معلومات محرفة باطلة عن التوراة وما فيها ، ويقولون للسامعين لهم : إن أوتيتم هذا فخذوه ، أي إن آتاكم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الذي هم عليهم فإن لهم أن يقبلوه ، وأن هذا كقول الله تعالى فيهم حاكيا عنهم قوله :