محمد أبو زهرة

2183

زهرة التفاسير

بعد بين الله سبحانه وتعالى حسد أحد ابني آدم لأخيه وكيف أدى الحسد والحقد إلى أن يقتل الأخ أخاه ، بين سبحانه وتعالى ما هو نتيجة للحقد ، من قتل النفوس ، وقيام المجرمين بالشر فرادى وجماعات ، وآثار هذه الجرائم في المجتمع ، وبين أشد أنواع جرائم الفتك والاعتداء في الجماعة وهي الحرابة ، ثم ذكر السرقة ، وهي في معنى الحرابة ؛ لأنها سطو على الأمن ، وإزعاج للناس ، وجعلهم في اضطراب مستمر وبلبال دائم ، وهم مقيم ، وذكر عقوبتها الزاجرة ، وآثارها الملقية بالأمن والاستقرار في النفوس . وبعد هذا البيان من آثار الحقد ، والحسد في الجرائم الحسية ونشرها ، ذكر سبحانه أثر الحقد والحسد في الجرائم المعنوية والاعتقادية ، وهي التي يجمعها جحود الحق حسدا وحقدا واستكبارا ، كحسد أحد ابني آدم على أخيه إذ حقد واستكبر ، وذكر حقد اليهود والمنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم وحسدهم له ولقومه على ما آتاهم الله من فضله ، فأرسل في العرب رسولا يدعو إلى الحق وإلى صراط مستقيم ، وقد كان سياق قصة ابني آدم مبينا استمكان الحقد والحسد في نفوس الأشرار ، وإذا علم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي له أن يحزن على ما يصيبه نتيجة للحقد والحسد ؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ النداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنداء له عليه السلام ب يا أَيُّهَا - التي تدل على نداء البعيد مع أنه من الله قريب وهو له مجيب ؛ لبيان الشأن العظيم لما يدعوه إليه ويناديه لأجله ، وللموضوع الذي ينبهه إليه ، وهو حال الذين يخاطبهم وتدبير الدعوة على مقتضى حالهم ، وتوقع ما يقع منهم . وقد قال فخر الدين الرازي : إن نداء الله تعالى له عليه السلام يكون ب « يا أيها النبي » ما عدا موضعين : أحدهما - هذا الموضع ، والثاني - في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ . وقال إن النداء : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ فيه زيادة تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الرسالة أخص من النبوة ، والحق أن النداء بالنبوة