محمد أبو زهرة
2184
زهرة التفاسير
وبالرسالة كلاهما فيه تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم بدرجة واحدة ، لأن في كليهما بيان صلته بالله تعالى بها ، ولكنا نرى أن النداء ب « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ » ونهيه ، ويبلغ رسالته التي شرفه الله تعالى بها ولكنا نرى أن النداء « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ » يناسب ما يطلبه الله تعالى منه ، وهو تبليغ الرسالة ؛ إذ يقتضى أن يلاقى الأخيار والأشرار ، وأن يتوقع من الأشرار ما قد يثير النفس فإن لج به الألم ذهبت نفسه حسرات ، ولا يتفق ذلك مع العزمة الواجبة لأداء الرسالة . وقد كان النهى منصبا لا على ذات الحزن ، بل قال سبحانه : لا يَحْزُنْكَ أي لا تجعلهم يدخلون الحزن على نفسك باستعظام ما يفعلون ، وبذلك يندفع الاعتراض القائل أن الحزن ألم نفسي يدخل على النفس إجبارا من غير استئذان ، والنهى عنه ليس نهيا عن أمر للنفس فيه اختيار ، بل هو نهى عن أمر للإرادة فيه سلطان بالصبر وضبط النفس ، وتوقع الأمور قبل وقوعها فمن توقع النائبات قبل وقوعها يخف وقعها ، ويسهل احتمالها ، وأولئك الذين يسارعون في الكفر يتوقع منهم الشر فلا يحزن الرسول عند وقوعه ، فمعنى النهى في قوله تعالى : لا يَحْزُنْكَ يتضمن أمرين : أولهما - قبل وقوع شر أولئك المنافقين يتوقعه ، فلا يحزن إذا وقع ، وثانيهما - ألا يبقى أي أثر من ألم لوقوع الشر ، والمعنى الضمني لهذا النص : لا تعبأ بما يصنع هؤلاء مما من شأنه أن يحزن ، فلا ينبغي أن تحزن . وقوله : الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ معناه : الذين يتنقلون بحركات سريعة في دركات الكفر فينحدرون من دركة إلى دركة ويوغلون فيه إيغالا من غير مواناة ولا تدبر ولا تفكر ، وهذا سر التعدية ب « في » دون « إلى » ؛ لأن التعدية ب « إلى » تفيد الدخول فيه بعد أن لم يكن ، أما التعدية ب « في » فإنها لا تفيد الدخول بعد أن لم يكن ، بل تفيد الانتقال في مداخله من حال إلى أسوأ منها في سرعة من غير تفكير .