محمد أبو زهرة
2165
زهرة التفاسير
وإن الله سبحانه وتعالى قد ذكر كفر الكافرين مؤكدا ب « إن » ، وذكر الموصول للإشارة إلى أن الكفر الثابت المؤكد الذي لم يقترن بالتوبة والانخلاع منه بإيمان يجب الكفر هو سبب لعذاب وهول يوم القيامة صوره الله سبحانه وتعالى بقوله : لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ والافتداء تخليص النفس ، والعمل على الحفاظ عليها بمال أو أي نفيس يبذل في سبيل ذلك الخلاص ، والمعنى الجملي : لو ثبت أن الذين كفروا يقدمون كل ما في الأرض تخليصا لأنفسهم ومثله معه في قيمته وكمه ما قبله الله تعالى منهم ؛ لأن الجزاء الذي ادخره الله تعالى لهم من عذاب أليم يتكافأ مع ما في الدنيا مضافا إليه مثله ، وهم لو ملكوا كل ذلك لقبلوا أن يقدموه ، فكيف وهم لا يملكون إلا قدرا ضئيلا لا يساوى ذرة صغيرة في هذه الدنيا ، والله لا يتقبل ذلك الفداء مهما يكن قدره ؛ لأنه قرر العذاب المؤلم المؤكد ، وقد أكد نفى القبول بقوله تعالى : ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ أي ما قبل منهم بأي قدر ولو كان ضئيلا ، وكان من تأكيد النفي بصيغة التقبل ، والمراد هنا من التقبل تكلف القبول ، أي أنه لا يمكن القبول ، ولو بطريق المحاولة والمعاناة . وقد أكد سبحانه وتعالى العذاب بقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي أن الذين يملكونه في الآخرة بدلا في مقابل ما كانوا يملكون في الدنيا عذاب مؤلم مستمر لا يزول ولا يفارقهم ، وهم يريدون أن يخرجوا منه ، وهو ملازمهم لا يفارقهم ؛ ولذا قال سبحانه : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها . صور الله سبحانه وتعالى حالهم بهذا النص الكريم ، وهو أنهم اجتمع لهم العذاب الشديد المؤلم ، والرغبة في الخروج منه ، ولكنه أمر لازم غير قابل للانفصال عنهم ، فهم يريدون راغبين ملحفين أن يخرجوا من النار وعذابها الشديد ، وكلما نضجت جلودهم بدلهم الله تعالى جلودا غيرها ، وهم يريدون